سوريا الجديدة... من يملك حق رسم حدودها الأمنية؟

08/20/2026 - 22:02 PM

Atlantic home care

 

 

 

 

 

سيرينا جمال دملج *

قد يبدو قصف مطار أبو الضهور العسكري في شمال غرب سوريا مجرد حلقة جديدة في سلسلة الضربات الإسرائيلية التي لم تتوقف منذ سقوط نظام بشار الأسد. لكن التطور الأخير يحمل، في ظاهره على الأقل، ما هو أبعد من موقع عسكري خرج من الخدمة منذ سنوات.

فإسرائيل تقول إنها وجهت ضربة إلى المطار بسبب ما تعتبره تهديدًا لأمنها، بعد معلومات عن احتمال انتشار قوات تركية فيه. وتركيا تنفي وجود قوات لها في الموقع، وتؤكد في الوقت نفسه أنها لن تتخلى عن دعم سوريا ووحدة أراضيها، ولن تقع في ما تصفه بـ"الفخ" الذي تحاول إسرائيل نصبه لها.

وبين الروايتين، تقف سوريا الجديدة أمام سؤال شديد الحساسية: من يملك حق رسم حدودها الأمنية؟ هل هي الدولة السورية التي تحاول إعادة بناء مؤسساتها وجيشها، أم أن أمنها سيظل مرهونًا بالخطوط الحمراء التي تضعها إسرائيل، وبالمصالح الأمنية التي تتمسك بها تركيا، وبالتوازنات التي تفرضها القوى الإقليمية والدولية؟

رسالة إسرائيلية إلى تركيا

ليس من الصعب فهم سبب حساسية إسرائيل تجاه أي وجود عسكري تركي محتمل في شمال غرب سوريا. فتركيا ليست دولة هامشية في المعادلة السورية. إنها الجار الأقوى والأكثر حضورًا في الشمال، ولها مصالح أمنية مباشرة، وعلاقات وثيقة مع السلطات السورية الجديدة، ورؤية واضحة لمستقبل سوريا السياسي والعسكري.

أما إسرائيل، التي كثفت عملياتها العسكرية في سوريا بعد سقوط الأسد، فتريد أن تمنع ظهور أي بنية عسكرية جديدة يمكن أن تتحول مستقبلًا إلى مصدر تهديد لها. ومن هنا يمكن قراءة الضربة الإسرائيلية باعتبارها رسالة إلى أنقرة بقدر ما هي عملية عسكرية في سوريا.

الرسالة تقول، ببساطة، إن إسرائيل لن تقبل بقيام وجود عسكري تركي تعتبره مهددًا لأمنها بالقرب من مناطق نفوذها أو خطوطها الحمراء. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الرسائل الأمنية إلى قواعد أحادية الجانب تحدد ما يجوز لسوريا أن تفعله داخل أراضيها.

أنقرة لا تريد الوقوع في "الفخ"

في المقابل، تبدو تركيا مدركة لحساسية اللحظة. فأنقرة لم ترد على الضربة بالتصعيد العسكري، ولم تعلن عن خطوات انتقامية، بل اختارت خطابًا سياسيًا يؤكد دعم سوريا ووحدة أراضيها، مع التشديد على أنها لن تنجر إلى ما وصفته بـ"الفخ" الإسرائيلي.

وقد يكون هذا الموقف أكثر أهمية مما يبدو. فتركيا وإسرائيل ليستا أمام خلاف حدودي بسيط، بل أمام تنافس على النفوذ في دولة ما زالت في طور إعادة بناء نفسها. لكن أي مواجهة مباشرة بينهما في سوريا ستكون مكلفة للطرفين، وستضع واشنطن أيضًا أمام معادلة شديدة التعقيد: تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، وإسرائيل الحليف الأقرب للولايات المتحدة في المنطقة.

ولهذا يبدو الاحتمال الأكثر واقعية في المدى القريب هو أن تحاول الأطراف الثلاثة ــ تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة ــ احتواء الاحتكاك بدل السماح بتحوله إلى مواجهة مفتوحة.

هل تخشى إسرائيل سوريا أم تركيا؟

ربما يكون السؤال الأكثر دقة هو: هل تخشى إسرائيل قيام سوريا قوية، أم تخشى قيام سوريا قوية تحت مظلة تركية؟

الفرق بين السؤالين كبير. فإذا كانت المشكلة في قيام جيش سوري جديد يمتلك قدرات عسكرية، فإن ذلك يعني أن إسرائيل تريد لسوريا أن تبقى ضعيفة عسكريًا إلى أجل غير معلوم. أما إذا كانت المشكلة تحديدًا في الدور التركي، فإن المسألة تصبح جزءًا من صراع أوسع على النفوذ الإقليمي.

وربما يكون من المبكر الحديث عن صدام تركي-إسرائيلي مباشر في سوريا. لكن من الصعب أيضًا تجاهل أن البلد بدأ يتحول تدريجيًا إلى مساحة تنافس بين قوتين إقليميتين لهما مصالح متعارضة.

تركيا تريد سوريا مستقرة وموحدة وقادرة على ضبط حدودها الشمالية ومنع التهديدات التي تراها موجهة إليها. وإسرائيل تريد سوريا مستقرة أيضًا، لكن ضمن ترتيبات أمنية تمنع قيام أي بنية عسكرية تعتبرها تهديدًا.

وهذا يعني أن الدولتين قد تتفقان على مبدأ الاستقرار، لكنهما تختلفان بشدة حول شكل هذا الاستقرار ومن يملك أدواته... وهنا تكمن المشكلة.

هل تستطيع دمشق أن تقول لا؟

ربما يكون هذا هو الاختبار الأهم للسلطات السورية الجديدة. فليس المطلوب منها أن تختار بين تركيا وإسرائيل. وليس مطلوبًا منها أن تدخل مواجهة مع أي منهما.

المطلوب هو أن تتمكن من بناء علاقة مع كل منهما من موقع الدولة: أن تقول لتركيا إن التعاون مرحب به، لكن القرار العسكري السوري يجب أن يبقى سوريًا. وأن تقول لإسرائيل إن أمنها لا يمكن أن يكون مبررًا دائمًا لانتهاك السيادة السورية. وأن تقول للولايات المتحدة إن دعم الاستقرار السوري يجب أن يمر عبر تقوية مؤسسات الدولة، لا عبر إدارة التوازنات بين القوى الإقليمية فوق الأراضي السورية.

وفي ظل التطورات الأخيرة، تبرز في الأجواء السورية عدة احتمالات. أولها احتواء تركي-إسرائيلي، بحيث يكون ما حدث في أبو الضهور رسالة محدودة تنتهي مفاعيلها بترتيبات تمنع سوء الفهم. وثانيها تنافس طويل على النفوذ، يتمثل في أن يصبح ما جرى بداية لسلسلة من الرسائل المتبادلة. أما ثالثها، فيتعلق بولادة تفاهم إقليمي جديد. وهذا الاحتمال يبدو أقل وضوحًا، لكنه أكثر إيجابية، ويرتكز على أن هذه الأزمة قد تدفع جميع الأطراف إلى إدراك أن استمرار المنافسة داخل سوريا لن يخدم أحدًا.

سوريا الجديدة... الاختبار الأصعب

ربما يكون السؤال الحقيقي الذي يفرضه قصف أبو الضهور ليس ما إذا كانت تركيا وإسرائيل ستتصادمان، بل ما إذا كانت سوريا الجديدة ستتمكن من أن تصبح دولة قبل أن يتحول التنافس الإقليمي حولها إلى أمر واقع دائم.

ولهذا فإن مستقبل سوريا لن يتحدد فقط بما يحدث داخل دمشق، بل أيضًا بالطريقة التي ستتعامل بها دمشق مع أنقرة وتل أبيب وواشنطن وموسكو والعواصم العربية.

فإذا نجحت في ذلك، يمكن أن تتحول المساعدة التركية من نفوذ إلى شراكة، والضمانات الدولية من وصاية إلى دعم، والمخاوف الإسرائيلية من ذريعة للتدخل إلى حافز لاتفاقات أمنية واضحة.

أما إذا فشلت، فقد تجد سوريا نفسها مرة أخرى أمام حدود لا ترسمها هي، وقواعد لا تختارها هي، وجيش لا تستطيع بناءه كما تريد.

فهل ستستعيد سوريا سيادتها لكي تقرر حدودها الأمنية بنفسها، أم سيظل الآخرون هم الذين يقررون لها أين تبدأ هذه الحدود وأين تنتهي؟

 

* إعلامية وكاتبة لبنانية – روسية مقيمة في واشنطن

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment