د. حسام ممدوح
يعيش العراق منذ العام 2003 عملية تحوّل كبير على مستوى إدارة الدولة والمجتمع، تزامن هذا التحوّل مع التطوّر الكبير الذي عاشه العالم على مستوى الثورة المعلوماتية ومنصات التواصل الاجتماعي. حتى بدت لنا العديد من المشاهد العجيبة والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال تخيلها تصدر من مسؤول ممن هو بدرجة "وزير" أو "نائب".
وبات بعض المسؤولين يطارد الترند وكأنه "تكتوكر" أو "يوتيوبر" يبحث عن إنتشار مقاطعه على مواقع التواصل الاجتماعي مستخدماً ذات الوسائل التي يستخدمها صنّاع المحتوى في صورة تفتقد لأدنى مستويات سياقات إدارة الدولة.
ريلز بدل السياق الإداري
دأب العديد من أعضاء مجلس النواب أو الوزراء في الآونة الأخيرة على توظيف منصات التواصل الاجتماعي ضمن سياق عملهم الإداري في تجاوز واضح على السياق الإداري لإدارة المؤسسات الحكومية، وبدلاً مما إلفه الجهاز الإداري للمؤسسة التشريعية والتنفيذية من أساليب المتابعة والمحاسبة في السياق التنفيذي / الإداري (الأوامر والتعليمات، التحقيق الإداري، التقييم الوظيفي، العقوبات الانضباطية)، على المستوى التنفيذي وجدنا المسؤول الحكومي يتابع موظفي الدولة أمام الكاميرات موجهاً التهم بالتقصير ومنذراً الموظفين بالعقوبة لتجد هذه المقاطع طريقها فيما بعد لحسابات الوزير على منصات التواصل الاجتماعي بعد أن يتم معالجتها بما يناسب تلك المنصات، لاسيما ما يتوافق مع "الخوارزميات" ويجعل منها "أكسبلور".
ومضى البعض من أعضاء مجلس النواب في هذا الركب، فبدلاً من محاولة توظيف السياق النيابي في الرقابة على المؤسسات الحكومية في (السؤال البرلماني والاستجواب والتحقيق والتقييم وسحب الثقة) بات بعض النوّاب يعمد إلى توظيف أدوات منصات التواصل فيما يجعل من زياراته للمؤسسات الحكومية "ترند" يحظى بمشاهدة وتفاعل عالي من قبل جمهور تلك المنصات، ولما كان العراقي فاقد للثقة بالطبقة السياسية فإن هذه المقاطع تجد صدى كبير لدى الجمهور وتحظى بتفاعل عالي.
ماذا يحتاج السياسي ليكون مؤثراً؟
بمقابل توجهات السياسيين العراقيين وأساليبهم فإن الجمهور بالمقابل يتفاعل مع هذا المحتوى بشكل كبير، وأعتقد أن جزء من هذا الموضوع متعلّق بطبيعة شعور المواطن إزاء الطبقة الحاكمة والذي يتسم بالنقمة الشديدة والرغبة في التشفي بمن ينتمي لهذه الطبقة، لذا تجده يتفاعل مع هذا المحتوى وكأن المسؤول يطفئ نار غضبه ويفعل ما يعجز عن فعله في محاسبة الموظف الحكومي.
هنا وجدنا واقعاً خطيراً للغاية، فالسياسي سواء أكان ينتمي لمجلس النواب أو للحكومة أنتقل بالجهاز التشريعي أو التنفيذي من "شرعية العمل والإنجاز" إلى "شرعية الانتشار والشهرة"، ويبدو أن بعض السياسيين بات يعتقد أنه لا يحتاج لمعرفة السياق القانوني والإداري للجهاز الذي ينتمي له وصلاحيته في توظيف هذا السياق لإنجاز عمله، بل إنه يحتاج لحساب على منصات التواصل يغذيه يومياً بمحتوى يتوافق مع الـ"ترند" ويمكن أن يكون "أكسبلور" في مجتمعه الذي ينتمي له.
وهنا باتت الدولة تشهد تراجعاً كبيراً على مستوى توظيف سياقها الإداري في ترصين العمل ورفع جودته، بما أضعف هيبتها وأفرغ المناصب العليا فيها على اختلافها من محتواها.
فكيف للسياق القانوني والإداري أن يعمل في ظل طبقة سياسية تتجاوز هذه السياقات بما يتوافق ومتطلبات مواقع التواصل الاجتماعي؟؟، وهنا نحن نتكلم عن مواكب المسؤولين وزياراتهم الرسمية والتي باتت تصوّر باعتبارها محتوى لمواقع التواصل لا سياق عمل رسمي يحكمه القانون.
إن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بإستخدام السياسيين لمواقع التواصل الاجتماعي لتوثيق عملهم، بل إن الإشكال يتمثّل في استبدال سياقات الدولة بمنصات التواصل الاجتماعي، بما يفرغ تلك السياقات من محتواها ويضعف أداءها.
ما يحصل اليوم في العراق يمثل مرحلة خطيرة تنذر بتراجع كيان الدولة بما يتضمنه من مؤسسات يحكمها القانون لمجرد "محتوى" رقمي يجعل صاحبه "أكسبلور" بغض النظر عن أداء المؤسسات الحكومية، بالنتيجة نجد أنفسنا أمام جيل من السياسيين من صنّاع المحتوى لا رجال دولة تلتزم بسياقاتها القانونية والإدارية بما يمكنها من النجاح في أداء مهامها.








08/20/2026 - 23:11 PM





Comments