إعداد: ضياء الدين مرزقي
لم يعد تغير المناخ خبراً مؤجلاً إلى المستقبل؛ فقد أظهرت أحدث التقارير الدولية أن العقد الأخير يضم السنوات الإحدى عشرة الأشد حرارة منذ بدء القياسات الحديثة، وأن عام 2025 بقي ضمن القمة التاريخية رغم اختلاف ترتيبه بين قواعد البيانات العلمية. وتكشف المؤشرات المتزامنة—من حرارة المحيطات إلى تراجع الجليد البحري وارتفاع تركيز غازات الدفيئة—أن المسألة لا تتعلق بارتفاع درجة الحرارة وحده، بل باختلال متزايد في توازن الطاقة داخل النظام الأرضي.
الخبر في أرقامه
بحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، كان متوسط حرارة عام 2025 أعلى بنحو 1.43 درجة مئوية من متوسط الفترة 1850–1900، وصُنّف العام على أنه الثاني أو الثالث بين الأشد حرارة على الإطلاق. أما NOAA فصنفته ثالث أحر عام منذ 1850، مع زيادة قدرها 1.34 درجة مئوية فوق مستوى ما قبل الصناعة، في حين سجلت NASA زيادة 1.19 درجة مئوية مقارنة بمتوسط 1951–1980
ولا يعني هذا الاختلاف تناقضاً بين المؤسسات. فكل جهة تستخدم مجموعة بيانات وخط أساس ومنهجية معالجة مختلفة؛ ولذلك ينبغي في الصحافة العلمية مقارنة الاتجاهات داخل السلسلة نفسها، لا خلط الأرقام المنطلقة من خطوط أساس متباينة. والنتيجة الأكثر ثباتاً هي أن السنوات العشر الأخيرة هي الأشد حرارة في سجل NASA وأن 2015–2025 تمثل أحر 11 عاماً وفق WMO
المحيطات: مستودع الحرارة الصامت
تخزن المحيطات قرابة 90% من الحرارة الزائدة في النظام الأرضي، وقد سجل محتوى الحرارة في الطبقة العليا منها رقماً قياسياً في 2025، وفق NOAA. وتكمن أهمية هذا المؤشر في أنه يلتقط الطاقة التي لا تظهر فوراً في حرارة الهواء؛ فالمحيط الدافئ يمد العواصف بالطاقة، ويزيد تمدد المياه حرارياً، ويضغط على النظم البحرية.
وتقول WMO إن المحيطات امتصت خلال العقدين الماضيين، في المتوسط السنوي، طاقة تعادل نحو 18 ضعف الاستخدام السنوي للطاقة البشرية، هذه المقارنة لا تعني أن المحيطات “تحل المشكلة”، بل تعني أن جزءاً ضخماً من أثر الانبعاثات يُخزَّن مؤقتاً في البحر، مع كلفة طويلة الأجل على الشعاب المرجانية والثروة السمكية ومستوى سطح البحر.
الغازات الدفيئة: السبب الفيزيائي وراء الاتجاه
توضح قياسات NOAA أن مؤشر التأثير الإشعاعي للغازات الدفيئة طويلة العمر بلغ 1.54 عام 2024، أي إن التأثير الحراري لهذه الغازات كان أعلى بنسبة 54% من مستواه في 1990. ويسهم ثاني أكسيد الكربون بالحصة الأكبر من هذا الارتفاع؛ إذ بلغ متوسط تركيزه العالمي في طبقة الهواء البحرية 422.80 جزءاً في المليون عام 2024. كما سجلت الزيادة بين مطلعَي 2024 و2025 نحو 3.72 جزء في المليون، وهي زيادة قياسية في سلسلة NOAA
تؤكد هذه الأرقام أن الاحترار الحالي ليس نتيجة دورة طبيعية قصيرة فحسب. فوفق NOAA تؤدي الزيادة في ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز والغازات المهلجنة إلى حبس الأشعة تحت الحمراء، وبالتالي إلى زيادة الطاقة المحتجزة في الغلاف الجوي والمحيطات واليابسة.
من المؤشر العالمي إلى الخطر اليومي
في 2025، سجلت المناطق القطبية مؤشرات مقلقة؛ فقد كان متوسط امتداد الجليد البحري في القطب الشمالي ثاني أدنى مستوى في السجل، بينما جاء الجليد البحري في أنتاركتيكا ضمن أدنى ثلاثة مستويات. كما كان الغطاء الثلجي في نصف الكرة الشمالي ثالث أدنى مستوى سنوي منذ بدء السجل عام 1967.
وسجل العالم 101 عاصفة مدارية مسماة في 2025، مقابل متوسط 88 للفترة 1991–2020، وفق NOAA. ولا يصح تحويل هذا الرقم وحده إلى حكم بأن كل عاصفة سببها تغير المناخ؛ فالعلاقة العلمية الأدق هي أن الاحترار يغير احتمالات وشدة عدد من الظواهر، بينما يظل إسناد كل حدث منفرد بحاجة إلى تحليل خاص يأخذ في الاعتبار الموقع والمدة والظروف الطبيعية.
وهنا تظهر أهمية التمييز الصحفي بين الطقس والمناخ: العاصفة أو موجة الحر حدث جوي قصير، أما المناخ فهو توزيع هذه الأحداث واتجاهاتها على مدى عقود. لذلك فإن خبر المناخ لا يُبنى على حادثة واحدة، بل على تراكم السجلات والاتجاهات ومؤشرات متعددة مستقلة.
التحليل الآني: تحسن محدود لا يوازي حجم المشكلة
يقدم تقرير فجوة الانبعاثات لعام 2025 صورة مزدوجة. فمن جهة، انخفضت توقعات الاحترار مقارنة بتقارير سابقة؛ إذ يقدر التقرير أن التنفيذ الكامل للتعهدات الوطنية يقود إلى احترار يتراوح بين 2.3 و2.5 درجة مئوية هذا القرن، بينما تقود السياسات الحالية إلى نحو 2.8 درجة مئوية. ومن جهة أخرى، لا يمثل هذا التحسن تقدماً كافياً؛ فجزء منه يعود إلى تحديثات منهجية، كما أن التعهدات الجديدة لم تغيّر المسار بالقدر المطلوب.
ولتقريب الفجوة، يقدر التقرير أن الانبعاثات السنوية في 2035 يجب أن تنخفض مقارنة بمستوى 2019 بنسبة 35% لمسار درجتين مئويتين، وبنسبة 55% لمسار 1.5 درجة مئوية. ومعنى ذلك عملياً أن التوسع في الطاقة المتجددة وحده لا يكفي إذا لم يصاحبه خفض سريع في استخدام الوقود الأحفوري، وتحسين كفاءة المباني والنقل، وتقليص انبعاثات الميثان، وتمويل قابل للتنفيذ للدول الأكثر تعرضاً.
أمثلة دقيقة على ما يتغير
يمكن تلخيص الصورة في ثلاثة أمثلة مترابطة. المثال الأول هو عام 2025 نفسه: حرارة عالمية قياسية أو شبه قياسية، ومحيطات عند أعلى محتوى حراري، وجليد بحري ضمن أدنى المستويات. المثال الثاني هو الغلاف الجوي: تركيز ثاني أكسيد الكربون عند 422.80 جزءاً في المليون عام 2024، مع تسارع الزيادة السنوية في العقد الأخير مقارنة بمتوسطات العقود السابقة. المثال الثالث هو فجوة السياسات: حتى التنفيذ الكامل للتعهدات الحالية لا يزال يقود إلى 2.3–2.5 درجة مئوية، بعيداً عن مسار 1.5 درجة.
النتائج الرئيسية
النتيجة الأولى أن اتجاه الاحترار العالمي متين إحصائياً، ولا يتوقف على ترتيب سنة واحدة. والنتيجة الثانية أن الاحترار ينتقل إلى عناصر أبطأ استجابة وأكثر خطورة، خصوصاً المحيطات والجليد ومستوى سطح البحر. والنتيجة الثالثة أن الفجوة الحالية ليست فجوة علمية، بل فجوة تنفيذ وسرعة وتمويل؛ فالتقنيات منخفضة الكربون موجودة، لكن خفض الانبعاثات لا يزال أبطأ من المطلوب.
أما النتيجة الصحفية الأهم فهي أن الرقم العالمي لا ينبغي أن يُعرض مجرداً. فكل جزء من الدرجة المئوية يترجم إلى تغير في احتمالات موجات الحر والأمطار الغزيرة والجفاف، وإلى أعباء متفاوتة على الزراعة والصحة والبنية التحتية. لهذا يجب أن يجمع المقال المناخي بين الرقم، ومصدره، وخط أساسه، وحدود تفسيره، وأثره الإنساني القابل للفهم.
خاتمة
تقول البيانات الحديثة إن نافذة تجنب أسوأ السيناريوهات تضيق، لكنها لا تعني أن النتائج محسومة بالكامل. فالفرق بين 1.5 و2 و2.8 درجة مئوية ليس فرقاً نظرياً؛ إنه فرق في حجم الخسائر، وفي عدد الناس المعرضين للحرارة والفيضانات ونقص المياه، وفي قدرة النظم البيئية والاقتصادات على التكيف. ولذلك فإن القراءة المهنية للتغير المناخي يجب أن تنتهي بسؤال قابل للقياس: كم انخفضت الانبعاثات فعلاً، وبأي سرعة، ومن يتحمل كلفة التأخر؟
*ملاحظة منهجية: الأرقام الواردة تعكس أحدث صفحات وتقارير رسمية متاحة وقت التحرير. وقد تختلف القيمة أو رتبة العام قليلاً بين المؤسسات بسبب اختلاف قواعد البيانات وخطوط الأساس، مع بقاء الاتجاه العام متسقاً.








08/21/2026 - 02:06 AM





Comments