وديع الخازن: لبنان لا يحتاج إلى المغامرة بل إلى دولة تعرف كيف تستخدم أوراقها السياسية والدبلوماسية
بيروت - بيروت تايمز حوار منى حسن
في ظل التصعيد المتواصل في الجنوب اللبناني، واستمرار الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية، إلى جانب تعقيدات ملف سلاح حزب الله وحصرية السلاح بيد الدولة والاستحقاقات السياسية والاقتصادية التي تواجه لبنان، تبدو البلاد أمام مرحلة دقيقة تتطلب قرارات وطنية واضحة ومسؤولية سياسية عالية.
وفي هذا السياق، يقدّم الوزير السابق وديع الخازن قراءة شاملة للمشهد اللبناني، متناولاً التطورات الأمنية في الجنوب، ودور الجيش اللبناني، ومستقبل قوات اليونيفيل، وموقف المجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة وفرنسا، من الاعتداءات الإسرائيلية، إضافة إلى ملف الاستراتيجية الدفاعية وحصرية السلاح بيد الدولة.
ويشدد الخازن على أن لبنان لا يستطيع الخروج من أزماته عبر المغامرات أو الصدام الداخلي، داعياً إلى اعتماد الحوار والضمانات الوطنية، وتعزيز دور الدولة ومؤسساتها، مؤكداً أن حصرية السلاح بيد الدولة يجب أن تتحقق من خلال مسار سياسي هادئ ومتدرج يحفظ الاستقرار ويمنع الانقسام الداخلي.
كما يرى أن لبنان أمام مرحلة إعادة تشكيل للمشهد السياسي والتحالفات الداخلية، معتبراً أن المطلوب ليس مجرد تبديل في التحالفات الانتخابية، بل إعادة بناء الحياة السياسية على أساس البرامج والمشاريع الوطنية.
وفي حديثه، لـ بيروت تايمز يوجّه الخازن رسالة واضحة إلى الداخل والخارج: لبنان لا يريد أن يكون ساحة لصراعات الآخرين، بل دولة سيدة قادرة على حماية نفسها بجيشها ومؤسساتها وقانونها ودبلوماسيتها.
وفي ما يلي نص المقابلة:
(. كيف تقرأون التصعيد الإسرائيلي المتواصل في الجنوب، في ظل استمرار الاعتداءات والخروقات؟
- ما يجري في الجنوب خطير، ولا يجوز التعامل معه باعتباره مجرد جولة عسكرية عابرة. إن استمرار الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية يهدد الاستقرار اللبناني برمّته، ويقوّض أي فرصة لانتقال الوضع من منطق القوة إلى منطق التفاوض.
لقد أثبتت التجربة أن لبنان لا يستطيع أن يعيش بصورة طبيعية ما دامت أرضه مسرحاً مفتوحاً للصراعات الإقليمية. لذلك، المطلوب هو تثبيت وقف إطلاق النار، واحترام سيادة لبنان، وتنفيذ القرار 1701 بكل مندرجاته، لأن الاستقرار لا يمكن أن يكون انتقائياً ولا أن يُفرض من طرف واحد.
وأقول بوضوح: لا يجوز أن تتحول الاعتداءات الإسرائيلية إلى أمر واقع، كما لا يجوز أن تتحول الساحة اللبنانية إلى صندوق بريد لصراعات الآخرين. لبنان يريد السلام، لكنه يريد سلاماً يحفظ كرامته وسيادته وحقه في أرضه.
(. هل تعتقدون أن ما يجري في الجنوب يندرج في إطار الضغط العسكري لتحسين شروط التفاوض، أم أن المنطقة تتجه إلى مواجهة أوسع؟
-لا أستبعد أن يكون الضغط العسكري جزءاً من محاولة تحسين شروط التفاوض، لكن خطورة هذا الأسلوب تكمن في أن التصعيد قد يخرج عن السيطرة ويتحول إلى مواجهة أوسع لا يريدها أحد.
المفاوضات التي تجري تحت النار تكون دائماً أكثر صعوبة وأقل توازناً. ومن هنا فإن مصلحة لبنان هي في وقف التصعيد وخلق مناخ يسمح بالدبلوماسية بأن تقوم بدورها.
لقد تعثرت المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية الأخيرة حول قضايا أساسية، بينها وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، فيما بقي ملف سلاح حزب الله حاضراً في قلب التجاذب.
لذلك، علينا ألا ننتظر اتساع الحرب حتى نتحرك. الحكمة السياسية هي أن نمنع الحرب قبل وقوعها، لا أن نبحث عن مخارجها بعد أن تقع.
(. إلى أي مدى يستطيع لبنان الرسمي احتواء التصعيد، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية؟
- لبنان الرسمي يستطيع، بل عليه، أن يقوم بدور أساسي في احتواء التصعيد، شرط أن تتكامل مواقف رئاسة الجمهورية والحكومة والجيش والمؤسسات الدستورية، وأن يكون هناك خطاب لبناني واحد.
لكن قدرة لبنان الرسمية لا تُقاس فقط بامتلاك القوة العسكرية، وإنما أيضاً بقدرته على استخدام الشرعية الدولية والدبلوماسية والعلاقات العربية والدولية للضغط من أجل وقف الاعتداءات.
وقد كان الموقف الرسمي اللبناني واضحاً في إدانة الاعتداءات الأخيرة والتأكيد أن استهداف المدنيين وتهديد الاستقرار لا يمكن أن يكونا وسيلة للوصول إلى حل
لبنان لا يحتاج إلى المغامرة، بل إلى دولة تعرف كيف تستخدم أوراقها السياسية والدبلوماسية والقانونية.
(. ما المطلوب من المجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة وفرنسا، لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وحماية لبنان؟
- المطلوب أولاً ألا تكون هناك ازدواجية في تطبيق القانون الدولي. لا يمكن أن نطالب لبنان باحترام القرارات الدولية، ثم نتغاضى عن خروقات الطرف الآخر.
من الولايات المتحدة وفرنسا، باعتبارهما صاحبتَي تأثير مباشر، ننتظر ضغطاً جدياً لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، ودفع إسرائيل إلى احترام القرار 1701، والانسحاب من الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحت الاحتلال، ودعم الجيش اللبناني والدولة اللبنانية.
كما ننتظر من المجتمع الدولي الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها. فلبنان لا يريد بيانات تضامن فقط، وإنما يريد ضمانات سياسية وأمنية جدية تحمي سيادته وتمنع تكرار الاعتداءات.
(. هل ترون أن التمديد لقوات اليونيفيل بات ضرورة في هذه المرحلة، وما الدور الذي يمكن أن تؤديه في تثبيت الاستقرار جنوباً؟
- في الظروف الحالية، أرى أن وجود اليونيفيل يبقى عاملاً مهماً للاستقرار، ولا سيما أن الوضع الميداني لم يصل بعد إلى مرحلة تسمح بالاستغناء الآمن عن مظلة دولية تراقب تنفيذ القرار 1701.
قرار مجلس الأمن 2790 جعل التمديد حتى نهاية عام 2026 التمديد الأخير، مع بدء انسحاب منظم وآمن خلال عام 2027. وفي الوقت نفسه، ما زالت اليونيفيل تؤكد أن مهمتها تقوم على دعم الجيش اللبناني ومراقبة تنفيذ القرار 1701 وحماية الاستقرار في الجنوب.
لذلك، إذا كانت الظروف الميدانية لا تسمح بالانتقال الآمن إلى مرحلة ما بعد اليونيفيل، فيجب أن تكون هناك معالجة دولية ولبنانية مسؤولة لهذه المسألة.
واليونيفيل ليست بديلاً عن الجيش اللبناني، بل يجب أن تكون جسراً نحو تمكين الدولة والجيش من الإمساك الكامل بالأرض.
(. كيف تقرأون العلاقة بين الجيش اللبناني والقوى السياسية في هذه المرحلة، وما المطلوب لتعزيز دور الجيش في حماية الحدود والسيادة؟
- الجيش اللبناني يجب أن يبقى فوق الانقسامات السياسية والطائفية والحزبية. وهو المؤسسة التي يلتقي حولها اللبنانيون عندما تتراجع الثقة ببقية المؤسسات.
المطلوب من القوى السياسية أن تمنحه الغطاء الوطني، ومن المجتمع الدولي أن يوفر له الإمكانات، ومن الدولة أن تجعل منه المرجعية الأمنية والعسكرية الشرعية الوحيدة على الأراضي اللبنانية.
لقد أثبت الجيش، في أصعب الظروف، أنه قادر على القيام بمهماته عندما تتوافر له الإمكانات والقرار السياسي. لذلك، دعم الجيش ليس شعاراً؛ إنه استثمار مباشر في سيادة لبنان.
(. يتكرر الحديث عن حصرية السلاح بيد الدولة، كيف يمكن الوصول إلى هذا الهدف من دون الدخول في مواجهة داخلية؟
- حصرية السلاح بيد الدولة ليست مطلباً موجهاً ضد طائفة أو حزب أو فئة، بل هي جوهر الدولة الحديثة وأحد أسس السيادة.
لكن الوصول إليها يجب ألا يتم بالصدام الداخلي. لبنان لا يحتمل حرباً أهلية جديدة، ولا يجوز أن نعالج مشكلة السلاح غير الشرعي بتفجير السلم الأهلي.
المطلوب هو مسار سياسي وطني هادئ ومتدرج، يبدأ بتثبيت مرجعية الدولة، وتقوية الجيش، وخلق ضمانات وطنية لكل المكونات، ومعالجة الهواجس الأمنية التي دفعت إلى نشوء ظاهرة السلاح خارج الدولة.
أنا مع حصرية السلاح بيد الدولة، ولكنني مع الوصول إليها بالحوار والضمانات والثقة، لا بالتهديد والشارع والاقتتال.
(. هل تعتقدون أن الظروف الإقليمية والدولية تسمح للبنان بإنجاز تفاهم داخلي حول الاستراتيجية الدفاعية؟
- الظروف صعبة، لكنها قد تكون أيضاً فرصة تاريخية.
فعندما تتغير المعادلات الإقليمية، يصبح من الضروري أن يعيد لبنان تحديد موقعه ومصلحته الوطنية. والاستراتيجية الدفاعية لا يمكن أن تكون قرار فريق واحد، بل يجب أن تكون نتاج توافق وطني يحفظ حق لبنان في الدفاع عن أرضه، ويضع في الوقت نفسه قرار الحرب والسلم في يد الدولة.
أعتقد أن لبنان يستطيع الوصول إلى تفاهم إذا توافرت إرادة سياسية صادقة، وإذا اقتنع الجميع بأن قوة لبنان الحقيقية هي في وحدته وفي دولته، وليس في تعدد مراكز القرار العسكري.
(. برأيكم، هل يحتاج لبنان إلى حوار وطني جديد حول سلاح حزب الله ودور الدولة، أم أن الأولوية اليوم هي لتثبيت الاستقرار؟
- الأمران مترابطان، لكن الأولوية الآنية هي تثبيت الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهة داخلية.
بعد ذلك، لا بد من حوار وطني مسؤول حول الاستراتيجية الدفاعية ودور الدولة وحصرية السلاح. لا أعتقد أن معالجة هذا الملف بالقطيعة أو بالتحدي المتبادل ستؤدي إلى نتيجة.
لقد علمتنا التجربة اللبنانية أن القضايا الكبرى لا تُحل بالغلبة. التسويات التي تصمد هي تلك التي يشعر فيها الجميع أنهم شركاء فيها، لا مهزومون أمامها.
(. كيف تقيّمون أداء العهد الحالي والحكومة في التعامل مع الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية؟
- أتعامل مع العهد والحكومة بمنطق دعم المؤسسات، لا بمنطق الموالاة أو المعارضة العمياء.
هناك تحديات هائلة أمام السلطة: الأمن، الجنوب، الإصلاح الاقتصادي والمالي، إعادة الودائع إلى أصحابها، استعادة الثقة الدولية، معالجة آثار الانهيار، وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
وأعتقد أن المطلوب في هذه المرحلة هو الانتقال من إدارة الأزمات إلى إنتاج الحلول. اللبنانيون لم يعودوا يحتملون التأجيل، ولا يريدون خطابات سياسية إضافية بقدر ما يريدون دولة تعمل وقضاءً مستقلاً واقتصاداً منتجاً وإدارةً كفوءة.
وأي حكومة تُقاس في النهاية بقدرتها على الإنجاز، لا بعدد البيانات التي تصدرها.
(. هل ترون أن الطبقة السياسية اللبنانية قادرة على إنتاج تسوية وطنية تخرج البلاد من أزماتها المتراكمة؟
- أؤمن بأن الطبقة السياسية اللبنانية قادرة، إذا أرادت، على إنتاج تسوية وطنية. المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في غياب الثقة وتغليب الحسابات الفئوية في كثير من الأحيان على المصلحة الوطنية.
لبنان لا يحتاج اليوم إلى تسوية ظرفية جديدة، بل إلى تسوية تاريخية تقوم على ثلاث ركائز: الدولة، والشراكة الوطنية، والإصلاح.
وعندما يدرك السياسيون أن استمرار الانقسام يهدد الجميع من دون استثناء، تصبح التسوية ضرورة وليست ترفاً.
( إلى أي مدى تستطيع القوى السياسية الحفاظ على وحدة الموقف اللبناني في ظل الانقسام حول الملفات الكبرى؟
- يمكن الحفاظ على وحدة الموقف إذا اتفقنا على الثوابت، حتى لو اختلفنا في التفاصيل.
الثوابت التي يجب ألا تكون موضع خلاف هي: سيادة لبنان، استقلال قراره، وحدة أراضيه، دعم الجيش، احترام الدستور، تطبيق القرارات الدولية، ورفض تحويل لبنان إلى ساحة صراع للآخرين.
يمكن أن نختلف في السياسة، لكن لا يجوز أن نختلف على وجود الدولة.
(. هل تعتقدون أن لبنان مقبل على إعادة تشكيل للمشهد السياسي والتحالفات الداخلية؟
- نعم، أعتقد أن لبنان أمام مرحلة إعادة تشكيل سياسي، لأن التحولات الإقليمية والدولية، إلى جانب المتغيرات الداخلية، ستفرض على القوى السياسية إعادة النظر في تحالفاتها وخطابها وأولوياتها. لكنني أتمنى ألا تكون إعادة التشكيل مجرد تبديل في التحالفات الانتخابية، بل أن تكون بداية لإعادة بناء الحياة السياسية على أساس البرامج والمشاريع الوطنية.
لبنان يحتاج إلى تحالفات حول الدولة لا حول الأشخاص، وحول مشروع إنقاذ لا حول المصالح الآنية.
(. أنتم من الشخصيات التي واكبت الحياة السياسية اللبنانية على مدى عقود، كيف تقارنون بين لبنان الأمس ولبنان اليوم؟
لبنان الأمس، على الرغم من كل عيوبه، كان يمتلك شيئاً نفتقده اليوم: الثقة بإمكان بناء المستقبل.
كان هناك لبنان الدولة والمؤسسات، ولبنان الذي لعب دوراً أكبر من حجمه بفضل انفتاحه وحضوره العربي والدولي، وكان اللبناني يشعر أن بلده قادر على النهوض بعد كل أزمة.
أما لبنان اليوم، فقد أثقلته الحروب والانقسامات والأزمات الاقتصادية وتراجع الثقة بالمؤسسات.
لكنني لا أتعامل مع لبنان بمنطق الحنين فقط. أنا أؤمن بأن لبنان الذي عرفناه يمكن أن يعود، ولكن بصورة أكثر نضجاً وصلابة، إذا استعاد دولته وثقة أبنائه.
لقد تغيّر العالم، وتغيّر لبنان، لكن جوهر لبنان لم يتغير: شعب مبدع، مجتمع حي، تعددية ثقافية ودينية، وطاقات بشرية هائلة.
المطلوب ألا نستسلم لفكرة أن لبنان انتهى. لبنان لم ينتهِ؛ لبنان يحتاج إلى دولة.
(. ما أكثر ما يقلقكم على مستقبل لبنان في المرحلة الراهنة؟
- أكثر ما يقلقني ليس الخلاف السياسي بحد ذاته، لأن الاختلاف جزء من الحياة الديمقراطية، بل أن يتحول الاختلاف إلى انقسام وطني دائم، وأن يصبح لبنان عاجزاً عن اتخاذ قراراته بنفسه.
ويقلقني أيضاً أن يعتاد اللبناني على فكرة أن الدولة عاجزة، وأن الاحتلال أو السلاح أو الأزمة الاقتصادية أو التدخل الخارجي أصبح أمراً طبيعياً.
أنا أخشى على لبنان من اعتياد الأزمة أكثر مما أخشى من الأزمة نفسها.
ومع ذلك، لا أفقد الأمل. فقد مر لبنان بمراحل أشد خطورة، وبقي. وأنا أؤمن بأن الخروج من أزمتنا يبدأ عندما نتفق على حقيقة بسيطة: لا خلاص لأي طائفة على حساب طائفة أخرى، ولا خلاص لأي حزب على حساب الدولة، ولا خلاص للبنان إلا بلبنان الواحد.
إن لبنان الذي نريده لأبنائنا وأحفادنا هو لبنان الدولة، والحرية، والسيادة، والعيش المشترك، والحياد الإيجابي، والعلاقات المتوازنة مع أشقائه وأصدقائه.
وفي نهاية المطاف، لا أرى معركة لبنان الحقيقية مع طائفة أو حزب أو دولة، بل مع فكرة أن يبقى لبنان ساحة للآخرين. معركتنا الحقيقية هي أن يصبح لبنان سيد قراره، موحداً حول دولته، وقادراً على حماية نفسه بالدولة، والجيش، والقانون، والدبلوماسية.












08/21/2026 - 10:48 AM





Comments