ماذا نقول لأطفالنا... ونحن نسلّمهم بقايا دولة؟

08/29/2026 - 00:15 AM

Atlantic home care

 

 

 رشيد ج. مينا

السؤال مشروع، والجواب مغلّف بمئة غلاف وغلاف. ومن الطبيعي، بل من حق أطفالنا وشبابنا اليافع المتجه إلى مستقبل لا يعرف ملامحه، أن يسألنا: لماذا وطننا هكذا؟

لماذا يجد الناس في بلدان أخرى فرصًا للعمل، ويذهب الأطفال إلى مدارسهم، والشباب إلى المعاهد والجامعات، فيما نرى في بلدنا أطفالًا خارج المدرسة، بعضهم يعمل في أعمال لا تليق بطفولته، وبعضهم يقف عند إشارات المرور أو يجوب الشوارع يبيع قوارير الماء وعلب المناديل، وآخرون يمدون أيديهم طلبًا للمساعدة؟

لماذا مات جارنا الطيب على باب المستشفى لأنه لم يكن يملك ثمن العلاج؟ ولماذا بقيت جارتنا وحيدة مع أطفالها بعدما تركها زوجها وسافر، حائرة في كيفية إعالتهم، لا معين لها بعد الله سبحانه وتعالى؟ ولماذا شباب حارتنا ليسوا في الجامعات؟ ولماذا من أنهى دراسته منهم لا يجد عملًا، فينتظر من يأخذ بيده أو فرصة سفر قد تأتي وقد لا تأتي؟

لماذا تنقطع الكهرباء ونشتري الماء بالصهاريج؟

لماذا تزوج قريبنا ولم يستطع أن يؤسس منزلًا مستقلًا، فاضطر إلى السكن مع أهله؟ ولماذا انهارت أسرة نعرفها، وانفصل الزوجان، وبقي أربعة أطفال يدفعون ثمن واقع اجتماعي واقتصادي أكبر منهم؟

أسئلة تبدو بسيطة لأنها تخرج من أفواه الأطفال والشباب، لكنها في الحقيقة أسئلة تهز كل البناء السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي عشنا في ظله عقودًا.

وقد يسألنا أحدهم: أليست لديكم دولة؟

فماذا نقول؟

نعم، لدينا وطن له علم ونشيد وأعياد وطنية ومناسبات رسمية، ولدينا دستور وحكومات ومجالس ووزارات وإدارات، لكن المواطن كثيرًا ما لا يتعرف إلى الدولة في حياته اليومية إلا عندما تطالبه بضريبة أو رسم أو مخالفة، فيما يبحث عنها عندما يحتاج إلى مدرسة جيدة، أو مستشفى، أو كهرباء، أو ماء، أو فرصة عمل، أو قضاء ينصفه، أو حماية اجتماعية تحفظ كرامته، فلا يجدها كما ينبغي أن تكون الدولة.

ثم يأتي سؤال أكثر إيلامًا: لماذا إذا تشاجر ابن حيّنا مع ابن حي آخر يختلف عنه في الدين أو المذهب، تقوم الدنيا وكأن حربًا على الوجود والمصير قد اندلعت؟

كيف نشرح لطفل أن خلافًا بين شخصين يمكن أن يصبح خلافًا بين جماعتين؟ وكيف نقنعه بأن أبناء الوطن الواحد متساوون، بينما يسمع في كل أزمة من يقول له إن حقوق طائفته مهددة، وإن وجود مذهبه في خطر، وإن عليه أن يقف خلف زعيمه أو جماعته حتى لو كان الخلاف في أصله سياسيًا أو شخصيًا أو قانونيًا؟

ثم قد يفتح أبناؤنا كتب التاريخ، أو يسمعون ما نردده نحن عن الماضي، فيسألون: كنتم تحدثوننا عن فلسطين، وعن نضال العرب، وعن التحرر والوحدة والكرامة. وتحدثوننا عن أمة عرفت في مراحل من تاريخها ازدهارًا في العلم والمعرفة والحضارة.

فكيف وصلنا إلى هنا؟

كيف تحولت مساحات واسعة من منطقتنا إلى حروب ونزوح وفقر وجهل وتفكك؟ ولماذا بقيت فلسطين جرحًا مفتوحًا، واستمر الاحتلال والعدوان الإسرائيلي، فيما ازدادت الانقسامات والصراعات داخل مجتمعاتنا؟.

أسئلة كثيرة. لكن السؤال الأصعب ليس ما يسألونه هم.

السؤال الأصعب هو: بماذا نجيب نحن؟

هل نقول لهم إن الخارج مسؤول عن كل شيء، فنبرئ أنفسنا؟ أم نقول إن السياسيين وحدهم فعلوا بنا ذلك، وكأن هذه القوى لم تجد من يتبعها ويصفق لها ويقاتل من أجلها ويعيد انتخابها؟

هل نقول إن طائفتنا كانت دائمًا على حق وإن الطوائف الأخرى هي المسؤولة، فنزرع فيهم بذور الصراع نفسه الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه؟

هل نقول لهم إن ماضينا كان كله مجدًا، وإن حاضرنا كله مؤامرة، فنمنعهم من قراءة التاريخ كما كان، بانتصاراته وهزائمه، بعلمه وجهله، وبنجاحاته وأخطائه؟ أم نقول لهم الحقيقة؟

والحقيقة، مهما كانت مؤلمة، أرحم من أن نورثهم أوهامنا إلى جانب أزماتنا.

نقول لهم إن ما وصلنا إليه لم يصنعه سبب واحد، ولا رجل واحد، ولا حزب واحد، ولا دولة خارجية واحدة.

صنعته عقود من تعثر بناء الدولة، والصراع على السلطة، والطائفية والمذهبية، والفساد والنهب وسوء الإدارة، وغياب المحاسبة، وضعف القضاء، والتبعية للخارج، والتدخلات الإقليمية والدولية، والحروب والاحتلال والعدوان، وإقحام الوطن في صراعات ليس لشعبه فيها في كثير من الأحيان لا ناقة ولا جمل.

لكننا نقول لهم أيضًا إن الخارج لم يكن يستطيع أن يفعل كل ذلك لو لم يجد في الداخل أبوابًا مفتوحة، وإن القوى السياسية ما كانت تستطيع الاستمرار لولا أنها نجحت في تحويل جزء كبير من المواطنين إلى أتباع لطوائف وزعماء وأحزاب بدل أن يكونوا مواطنين أحرارًا في دولة. ونقول لهم، بشجاعة، إن أجيالنا حاولت أيضًا.

حلمنا بالحرية والعدالة والوحدة والتحرر ومواجهة الفقر والجهل والحرمان. أصبنا في أشياء وأخطأنا في أخرى. كانت بعض أحلامنا نبيلة، لكن بعض خياراتنا ووسائلنا لم توصل إلى النتائج التي أردناها. وليس عيبًا أن نعترف بذلك.

فالخطأ الحقيقي ليس أن يخطئ جيل في تجربة، بل أن يحول أخطاءه إلى مقدسات ثم يورثها للجيل الذي يليه. وأصعب ما يمكن أن نفعله بأطفالنا ليس أن نسلّمهم وطنًا مثقلًا بالأزمات فحسب، بل أن نسلّمهم معه أكاذيبنا عن أسباب أزماته.

نحن لا نملك الحق في أن نورثهم أحقادنا. ولا أن نقول لهم من يجب أن يكرهوا. ولا أن نرسم لهم خصومهم وفق خرائط صراعاتنا.

ولا أن نقنعهم بأن الطائفة تحميهم أكثر من الدولة، وأن الزعيم أقرب إليهم من القانون، وأن الواسطة أسرع من الحق، وأن الهجرة هي الطريق الطبيعي الوحيد للنجاح. ولا يكفي أن نقول لهم إننا كنا يومًا أمة علم ومجد وحضارة.

الأهم أن نشرح لهم لماذا ازدهرت المعرفة في مراحل من تاريخنا، وأن الحضارة لم تُبن بالشعارات، بل بالعلم والعمل والقراءة والانفتاح والإنتاج والبحث واحترام العقل. فالماضي لا يصنع المستقبل لمجرد أننا نفتخر به.

وإذا كانت أمتنا قد أنجبت في مراحل من تاريخها علماء ومفكرين ومبدعين، فإن الوفاء الحقيقي لذلك التاريخ لا يكون بترديد أمجاده، بل بإعادة بناء الأسباب التي أنتجته. بالعلم. بالقراءة. بالحرية. بالعمل. بالعدالة.  وبدولة تجعل الإنسان قيمة لا رقمًا في طائفة أو جمهورًا في حزب.

ولا ينبغي أن نكذب على أبنائنا فنقول لهم إن ما نعيشه مجرد كبوة ستنتهي حتمًا. فالتاريخ لا يمنح ضمانات لأحد.

هذه المرحلة يمكن أن تنتهي، لكنها لن تنتهي لمجرد أنها طالت، ولن يأتي يوم تستيقظ فيه أوطاننا وقد حُلّت مشكلاتها من تلقاء نفسها.

ستنتهي عندما تتغير الأسباب التي صنعتها.

عندما ينهض جيل يمتلك الوعي والإرادة، ويتوحد وطنيًا لا طائفيًا ولا مذهبيًا، ويتحرر من التبعية للقوى السياسية التي ساهمت في صناعة هذا الواقع، ويرفض أن يكون تابعًا للخارج مهما كان هذا الخارج.

جيل يقول: لا للفساد والنهب والفوضى، ولكن ليس بالشعار فقط.

جيل يسأل أين الكهرباء والماء والتعليم والاستشفاء والطرقات والعمل والعدالة، ويسأل في الوقت نفسه أين الحساب والعقاب.

جيل يعتبر الاحتلال والعدوان الإسرائيلي قضية وطنية، لا قضية طائفة أو حزب، ويرفض في الوقت نفسه أن يُقحم وطنه في صراعات الآخرين، أو أن يصبح قراره وسلاحه وسيادته جزءًا من حسابات خارج حدوده.

جيل يعرف أن الدولة ليست عدوًا للمواطن، ولا جهازًا لجباية الضرائب والرسوم، بل هي الإطار الذي يفترض أن يحمي حقوقه وكرامته وحريته، كما يطلب منه أداء واجباته.

لكن ماذا نقول لكم اليوم، يا أطفالنا ويا شبابنا؟

ماذا نقول لكم ونحن نعوّل عليكم، وفي الوقت نفسه نسلّمكم كل هذا الإرث الثقيل؟

ربما يكون أول ما يجب أن نقوله: سامحونا على ما لم نستطع إنجازه، لكن لا تحملوا أخطاءنا معكم إلى المستقبل.

لا نطلب منكم أن تبدأوا من الصفر، ولا أن تنكروا تضحيات من سبقكم، ولا أن تهدموا كل ما صنعته الأجيال السابقة. خذوا من تجاربنا ما كان صائبًا، وتعلموا مما كان خاطئًا، لكن لا تجعلوا الماضي سجنًا لمستقبلكم. ولا تقبلوا أن نورثكم أشلاء وطن ثم نقنعكم بأن مهمتكم هي فقط المحافظة عليها كما هي. مهمتكم أن تعيدوا جمعها.

أن تبنوا دولة حقيقية حيث تركنا لكم بقايا دولة.

أن تجعلوا العلم مكان الجهل، والقانون مكان الواسطة، والمواطنة مكان التبعية، والمحاسبة مكان الإفلات من العقاب، والإنتاج مكان انتظار المساعدة، والوطن مكان الطائفة عندما تتعارض الطائفة معه. ولعل هذا هو الجواب الأكثر صدقًا الذي نستطيع تقديمه لكم:

لم نصنع لكم الوطن الذي كنا نحلم به، لكننا نستطيع على الأقل ألا نخدعكم بشأن أسباب فشلنا في ذلك.

أما أنتم، فلا تقبلوا أن يكون مستقبلكم نسخة أخرى من ماضينا. فالوطن الذي نسلّمكم اليوم بقاياه، تستطيعون أنتم، بالوعي والعلم والإرادة والوحدة الوطنية، أن تعيدوا بناءه دولةً تليق بكم وبأطفالكم من بعدكم.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment