مفيد خطّار
كلُّ إنسانٍ معرَّضٌ للإصابة بالمرض. فمن الأمراض ما يصيب الجسد، ومنها ما يصيب النفس، ومنها ما يصيب الرُّوح. ولكلِّ مرضٍ علاجه المناسب، يخفّف ألمه أو يعيد إلى صاحبه عافيته. لكنّ هناك مرضًا غريبًا، لا أعرف إن كان له دواء. لا يصيب الجسد وحده، بل يتسلّل إلى القلب والذاكرة والرُّوح، وقد يستدرج معه أمراضًا أخرى. ولعلّ هذا هو مرض كلّ لبناني.
يهاجر اللبناني إلى بلادٍ يرى فيها فرصةً لتحقيق أحلامه: عيشًا كريمًا، وبحبوحةً، ومستقبلًا أفضل، وتحقيقًا لما عجز عن تحقيقه في لبنان بسبب أوضاعٍ مضطربة وحروبٍ متكرّرة؛ لكلّ حربٍ عنوانها، وكأنّ للبنان في كلّ مرةٍ نصيبًا جديدًا من الألم.
يحمل حقائبه، ويكاد يغلق خلفه باب العودة إلى الوطن، بدافع اليأس وفقدان الثقة بالوعود المتكرّرة بأنّ لبنان سيعود أفضل ممّا كان.
لكنّه، إلى جانب حقائبه المكدّسة على عربة المطار، يحمل على كتفه حقيبةً أخرى لا يراها أحد.
حقيبةً لا يعرف، هو نفسه، كيف حملها. وهو ما يزال في المطار، قبل أن يغادر، يتمنّى العودة إلى لبنان الذي لم يغادره بعد.
ربّما هو الشعور بالذنب.
كيف يترك جوهرته الثمينة، ويبحث عن جواهر في بلاد الاغتراب؟
يحاول أن يقنع نفسه بأنّه بدأ حياةً جديدة، وأنّ الماضي أصبح وراءه. يريد أن يترك كلّ شيءٍ خلفه، وأن يمضي إلى المستقبل.
لكنّه لا يعرف أنّ هناك حقيبةً واحدةً لا يستطيع أن يتركها خلفه.
فيها أصواتٌ وصورٌ وعطورٌ وصباحاتٌ ومساءاتٌ لا توجد إلا في ضيعته.
هناك صوت الجيران وهم يتعازمون على فنجان قهوة فوق مصطبة البيت؛ كأنّ القهوة ذريعةٌ للقاء، واللقاء ذريعةٌ للمحبّة.
وهناك صور طفولته، وعطر ياسمينةٍ تحرس روح البيت، وشروق شمسٍ يحمل النُّور إلى عالمٍ لم يستغنِ عنه بعد، ومساءٌ مستنيرٌ بذهب القمر ينثره على القرية، فتتلألأ كخاتم عروسٍ في سهرة عرسها؛ ومساءٌ يطمئن القلب، ويؤكّد حضور الرزق والخير والبركة، فتنام القرية بسلام.
ثم يفتح عينيه في بلادٍ أخرى، فيجد نفسه في عالمٍ مختلف؛ عالمٌ لا ينام بسهولة، ولا يعرف ذلك السَّلام الذي كانت تمنحه القرية لأبنائها.
عالمٌ يحتاج فيه الإنسان أحيانًا إلى عطفٍ وحنان، وإلى ما يساعده على أن يسرق من الليل قليلًا من النوم.
هناك يكتشف أنّه لم يغادر القرية كما ظنّ.
لقد أخذها معه.
أخذها في حقيبةٍ لا تُرى، ولا يستطيع أن يضعها في مستودع الأمتعة، ولا أن يتركها عند بوابة المطار.
إنّها حقيبةٌ سرّية.
وهكذا يبدأ اللبناني حياةً جديدةً في بلاد الاغتراب، لكنّ حياته لا تصبح جديدةً بالكامل.
نهاره هناك، وليله هنا، في قريته.
في النهار، يعمل، وينجح، ويبني مستقبله، ويتعلّم لغة المكان، ويتأقلم مع عاداته، ويصنع لنفسه ولعائلته حياةً أفضل.
لكن حين يهدأ النهار ويأتي الليل، يعود شيءٌ منه إلى لبنان. يعود إلى القرية، إلى البيت، إلى الأهل، إلى الوجوه التي تركها، وإلى الأزقّة التي حفظت خطواته، وإلى سماءٍ يعرفها أكثر من أيّ سماءٍ أخرى.
ولذلك قد يعيش اللبناني في وطنٍ آخر، لكنّه حين ينام، قد يجد نفسه في وطنه الأول؛ مستلقيًا على سريره في منزله المتواضع في قريته.
وفي هذه الحقيبة أيضًا شيءٌ من السواد؛ صورٌ مؤلمة، وذكرياتٌ موجعة، وأيامٌ أثقلت القلب.
لكنّ هذا السواد، مهما اتّسع، لا يضعف توهّج نور لبنان في داخله، ولا يستطيع أن يطفئه.
فلبنان الذي نحمله في ذاكرتنا ليس لبنانًا بلا جراح.
إنّه لبنان الجميل ولبنان المتألّم؛ لبنان الذي نحبّه رغم ما صنعناه به، والذي يبقى نوره أقوى من عتمة ما أصابه.
ومع ذلك، لم يكن اغتراب اللبنانيين نهاية علاقتهم بوطنهم، بل كان، في كثيرٍ من الأحيان، بدايةً لعلاقةٍ جديدة معه.
فلبنانيّو المهجر، أينما حلّوا، حقّقوا نجاحاتٍ كثيرة، ولم يجعلوا نجاحهم لأنفسهم وحدهم. حملوا معهم هموم أهلهم، واستثمروا ما حقّقوه في دعم عائلاتهم في لبنان، فساعدوهم على الاستمرار في العيش في وطنٍ كان يعيش ليل الحروب العبثية.
كانت معاناتهم في بلاد الاغتراب تثمر خيرًا في وطنهم، كما كانت نجاحاتهم تثمر خيرًا في البلاد التي احتضنتهم.
لبنان مدينٌ لهم بالكثير، ومهما فعل، لن يستطيع أن يردَّ لهم جميل ما فعلوه من أجل الوطن.
لكنّ فضلهم لا يقتصر على ما أرسلوه إلى لبنان. فمن أسباب استمرار لبنان أنّ كثيرين منهم، رغم معاناتهم وجهادهم وألمهم وحرمانهم في بلاد الاغتراب، أصرّوا على دعم مَن لم تتسنَّ لهم فرصة السفر، ليكونوا خميرة لبنان الجديد.
خميرة لبنان الذي نحلم به؛ لبنان الرسالة، ولبنان الجمال، ولبنان الذي يفخر بأبنائه، حتى وهو يتألّم من قسوة ما ارتكبوه في حقّه.
لقد خرج بعض اللبنانيين من وطنهم بحثًا عن حياةٍ أفضل، لكنّهم لم يتركوا وراءهم وطنًا يموت.
تركوا فيه أهلًا، وذكرياتٍ، وأحلامًا، وتركوا أيضًا خميرةً يمكن أن تختمر بها حياةٌ جديدة.
وربّما كانت هذه إحدى بركات لبنان الرسالة: أنّ أبناءه، عندما انتشروا في الأرض، لم يأخذوا لبنان منهم، بل أخذوا لبنان معهم.
حملوا شيئًا من نوره إلى البلاد التي احتضنتهم، وحملوا منها ما استطاعوا من خيرٍ إلى وطنهم.
فلبنان لم يتوقّف عند حدوده.
انتشر في أبنائه، وأصبح كلُّ لبنانيٍّ في الاغتراب مساحةً من مساحاته، وكلُّ نجاحٍ يحقّقه، وكلُّ خيرٍ يصنعه، امتدادًا من امتدادات وطنه.
وفي كلّ ذلك، يبقى اللبناني موزّعًا بين مكانين: جسده حيث يعمل ويعيش، وقلبه حيث ينتمي.
في حقيبة كلّ لبناني، يسكن لبنان.
حقيبةٌ صغيرةٌ يحملها على كتفه، لكنّها كبيرةٌ بما تحويه: وطنٌ له حدودٌ جغرافية، ووطنٌ لا حدود له في رسالته.
قد يغادر اللبناني لبنان بجسده، لكنّ لبنان لا يغادره.
وقد ينجح في أن يبني حياةً في بلادٍ أخرى، لكنّه لا ينجح في أن يبني بينه وبين لبنان جدارًا.
فما يسمّيه مرضًا قد يكون، في الحقيقة، الدليل الأصدق على أنّ شيئًا من الوطن ما زال حيًّا فيه.
وهنا لا يعود السؤال: كيف يُشفى اللبناني من حنينه؟
بل: كيف يحوّل هذا الحنين إلى حياة؟
كيف يجعل من غربته جسرًا لا قطيعة، ومن نجاحه عطاءً، ومن ذكرياته عملًا، ومن حبّه للبنان سببًا في أن يكون لبنان الذي يحمله في قلبه يومًا ما لبنانًا يراه بعينيه: معافى، سيّدًا، حرًّا، مستقلًّا، مزدهرًا، لجميع أبنائه؟
عندها نفهم سرَّ مرض اللبناني.
إنّه مرضٌ لا يريد الشفاء منه؛ لأنّ الشفاء منه يعني أن يفقد شيئًا من نفسه.
مرضٌ كلّما ابتعد عنه، ازداد حضورًا فيه، وكلّما حاول أن ينساه، أعادته إليه ذاكرته.
وربّما كان أجمل ما في هذا المرض أنّه ليس مرضًا بالمعنى الذي نعرفه، بل علامة حياة؛ دليلٌ على أنّ في القلب مكانًا لم تستطع الغربة أن تستولي عليه.
فاللبناني لا يعرف كيف يحبّ لبنان نصفَ حبّ.
ولهذا، مهما ابتعد، ومهما نجح، ومهما بنى في بلادٍ أخرى، يبقى في داخله شيءٌ لا يغادر لبنان.
ذلك الشيء هو الذي يحمله في حقيبته السرّية، ويحمله معه حيثما ذهب
حُبُّ لبنان... سرُّ مرض اللبناني.








08/29/2026 - 00:17 AM





Comments