بقلم الدكتور محمد حسين *
تُمثّل تجربة تمكين المرأة في دولة الإمارات العربية المتحدة مسارًا تاريخيًّا فريدًا في أرجاء المنطقة العربية؛ فلم تكُ مشاركتها نتاج طفرة اقتصادية طارئة أو مجرد مجاراة لمتطلبات العصر، بل حِيكت خيوطها بعناية في إطار رؤية استراتيجية متبصرة واكبت ميلاد الاتحاد عام 1971. ومن هنا، يجيء الاحتفاء بـ "يوم المرأة الإماراتية" في الثامن والعشرين من أغسطس كل عام—تخليدًا لذكرى تأسيس الاتحاد النسائي العام عام 1975— ليغدو وقفة سنوية نستحضر فيها مسيرة ملهمة؛ تحولت خلالها المرأة من ركن أساس في مجتمع ما قبل النفط إلى مضطلعة بزمام المشاريع الكبرى في مجالات الطاقة النووية والعلوم الفضائية.
وقد بُنيت دعائم هذا التمكين تحت رعاية شاملة من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وبسعي حثيث وجهود استثنائية من سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك "أم الإمارات". ولم يقف هذا الرعاء عند حدود الخطاب السياسي النظري، بل تجسد سريعًا في منظومة تشريعية وضمانات دستورية مرعية؛ إذ أقر الدستور الإماراتي مساواة المرأة بالرجل في الحقوق والواجبات، وكفل لها التعليم الإلزامي، ومشاركتها الكاملة في ميادين العمل والخدمات العامة.
ومن المنظور الحقوقي الشامل، يُقدّم النموذج الإماراتي تطبيقًا حيًّا واستجابة واعية للمواثيق والمعاهدات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وفي مقدمتها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو - CEDAW) التي انضمت إليها الدولة. ويظهر هذا التناغم القانوني جليًّا في إعمال أطر "التدابير الخاصة المؤقتة" (المادة 4 من سيداو) لتسريع وثرة المساواة الفعلية، فضلاً عن إرساء أحكام حظر التمييز في الأجور وفرص العمل (المادة 11)، وتأكيد حقها في المشاركة السياسية والعامة (المادة 7). كما يتجلى هذا التوجه في توثيق أواصر الشراكة مع الأجهزة الأممية (كهيئة الأمم المتحدة للمرأة) والارتقاء المستمر في مؤشرات المراجعة الدورية الشاملة (UPR)، ما يسبغ على التجربة الإقليمية بعدًا حقوقيًّا يجمع بين الأصالة الوطنية والالتزام الدولي.
وعلى صعيد السياسة والحوكمة، سجلت الإمارات قفزة مشهودة حين أُقر رفع نسبة تمثيل المرأة في المجلس الوطني الاتحادي إلى 50%، وهو ما وضع الدولة في طليعة المؤشرات العالمية للتمثيل البرلماني النسائي، يُضاف إلى ذلك حضورها الراسخ في الحقائب الوزارية وإدارتها لملفات حيوية تشكل معالم المستقبل، كالتغير المناخي والعلوم المتقدمة وقضايا الشباب. وقد ترافق هذا الحضور السياسي مع نهوض اقتصادي وثيق؛ إذ صُيغت التشريعات التي تفرض تمثيل المرأة في مجالس إدارات الشركات المساهمة العامة، في حين تدير سيدات الأعمال الإماراتيات اليوم استثمارات ضخمة تُقدر بمليارات الدراهم في قطاعات حيوية تتنوع بين المصارف والطاقة المتجددة والتكنولوجيا.
وفي الجانبين الاجتماعي والثقافي، اعتلت الإمارات الصدارة الإقليمية في تقارير الفجوة بين الجنسين بفضل سياسات تكافؤ الأجور وتطوير أطر الحماية الاجتماعية. كما أثرت الأديبات والكاتبات الإماراتيات المشهد الثقافي العربي بالرواية والشعر والنقد، فضلاً عن قيادتهن للمؤسسات الثقافية والمتاحف العالمية مثل "لوفر أبو ظبي"، ومشاركتهن الفاعلة في المحافل الفنية الدولية كراعيّات للهوية ومجددات في أساليب التعبير المعاصر.
ولم تقف هذه المكتسبات عند حدود الأرض، بل امتدت لتلامس آفاق العلوم الحديثة والفضاء؛ إذ شكلت الكوادر النسائية نحو 34% من الفريق العلمي لمسبار الأمل في رحلته لاستكشاف المريخ، وانضمت نورا المتروشي كأول رائدة فضاء عربية، إلى جانب المشاركة الواسعة للمهندسات الإماراتيات في تشغيل محطات "براكة" للطاقة النووية السلمية. ويُتوَّج هذا السجل الحافل بحضور لافت في الميدان الرياضي عبر اعتلاء منصات التتويج عربيًّا ودوليًّا في رياضات الجيوجيتسو (Jiu-Jitsu) هي والفروسية وألعاب القوى.
إن يوم المرأة الإماراتية ليس مجرد مناسبة عابرة للتكريم، بل هو محطة لتأمل قصة نجاح تنموية وحقوقية تُبرهن على أن الاستثمار في الإنسان لا يكتمل إلا بتمكين نصف المجتمع، لتقدم الدولة بذلك أنموذجًا فريدًا يجمع بين الأصالة والالتزام بالمعايير العالمية، والانطلاق بخطى واثقة نحو المستقبل العلمي.
* أستاذ القانون الدولي








08/30/2026 - 13:39 PM





Comments