الديمقراطية عند الطلب... حين يُحاصر الاختيار بين الحاجة والخوف والنفوذ.

08/30/2026 - 14:37 PM

Atlantic home care

 

 

 رشيد ج. مينا

نتحدث كثيرًا عن الديمقراطية، وعن التداول السلمي للسلطة، وعن الانتخابات وصناديق الاقتراع وحق المواطن في الاختيار، وننظر إلى هذه الآليات وكأن مجرد وجودها يكفي للقول إن إرادة الناس قد عبّرت عن نفسها بحرية. لكن السؤال الذي يسبق كل ذلك، وربما يكون أكثر أهمية منه: هل كان الإنسان حرًا فعلًا عندما اختار؟ وهل تكفي ورقة يضعها المواطن في صندوق الاقتراع لكي نعتبر أن الديمقراطية قد تحققت، مهما كانت الظروف التي أوصلته إلى ذلك الصندوق وصنعت خياراته قبله؟

الديمقراطية ليست مواصفات شكلية نستحضرها عند الطلب، ولا انتخابات تُجرى كل عدة سنوات ثم نعود بعدها إلى منظومة النفوذ والتبعية نفسها. فحرية الاختيار لا تبدأ أمام صندوق الاقتراع، وإنما تبدأ من حياة الإنسان نفسها، من حقه في العمل والتعليم والاستشفاء والأمن والعيش الكريم، ومن قدرته على التعبير والاعتراض، ومن شعوره بأنه مواطن تحميه الدولة والقانون، لا تابع يحتاج إلى زعيم أو حزب أو صاحب مال ونفوذ لكي يحصل على حق من حقوقه.

وهنا تبرز إحدى أخطر الآفات التي تشوّه الحياة السياسية: المال الأسود. والمقصود ليس المال أو الاستثمار أو النشاط الاقتصادي المشروع، وإنما ذلك المال الناتج عن الأعمال غير المشروعة، أو نهب المال والمقدرات الوطنية، أو التمويل الخارجي الموجّه لخدمة نفوذ ومصالح وأجندات، أو قوة الكارتيلات والاحتكارات الاقتصادية عندما تتحول من قوة في السوق إلى قوة تصنع السياسة والقرار بما يحمي مصالحها ويعيد إنتاج نفوذها.

هذا المال لا يظهر فقط في موسم الانتخابات لشراء صوت هنا أو ولاء هناك. إنه يستطيع أن يبدأ عمله قبل الانتخابات بسنوات، وأن يتغلغل في البنية الاجتماعية والسياسية، وأن يستثمر في الفقر والحاجة والحرمان، وأن يحول ما يفترض أن يكون حقًا للمواطن إلى خدمة يقدمها صاحب النفوذ أو الزعيم أو الحزب أو الجمعية، فتتحول الحاجة إلى علاقة تبعية، والخدمة إلى منّة، والمنّة إلى ولاء، والولاء إلى أصوات، والأصوات إلى سلطة.

ولا يعني ذلك أن الفقير يبيع إرادته، أو أن المحتاج عاجز عن قول «لا». فكثيرون حافظوا على كرامتهم وحريتهم في أقسى الظروف. لكن من الظلم أيضًا أن نطالب الإنسان بأن يمارس حريته كاملة بينما نتركه وحيدًا أمام الجوع والحاجة والخوف على مستقبل أبنائه، ثم نتيح لمن يملك المال والنفوذ أن يستثمر في ضعفه وحرمانه.

فكيف يكون الاختيار متكافئًا بين مواطن يملك استقلاله الاقتصادي والاجتماعي، وآخر قد تكون وظيفته مرتبطة برضى صاحب نفوذ، أو علاجه بحاجة إلى واسطة، أو تعليم أولاده مرتبطًا بمساعدة، أو أبسط معاملاته بحاجة إلى تدخل سياسي؟ وكيف نطالبه بأن يتحرر من التبعية، بينما الدولة نفسها تركت فراغًا دخل منه الآخرون ليقدموا له، على هيئة مكرمة أو خدمة، ما كان يفترض أن يحصل عليه بوصفه حقًا؟

من هنا تصبح العدالة الاجتماعية أكثر من مسألة اقتصادية؛ تصبح أحد شروط الحرية السياسية. فالإنسان الذي تضمن الدولة حقوقه الأساسية لا يصبح مدينًا لأحد بحقوقه، ويكون أكثر قدرة على الاختيار والمحاسبة والرفض. أما حين تنسحب الدولة من مسؤولياتها، فإنها لا تترك فراغًا اجتماعيًا فقط، بل تترك مساحة مفتوحة لمن يريد شراء النفوذ وبناء شبكات الولاء.

والمسألة لا تقف عند الفقر والحاجة. فهناك التجييش الطائفي والمذهبي والفئوي، حيث يتحول الاختلاف السياسي إلى خوف على الجماعة، ويصبح الزعيم حاميًا للطائفة بدل أن تكون الدولة حامية لجميع مواطنيها. عندها لا يعود المواطن يسأل أي برنامج يخدم الوطن، بل يُدفع إلى السؤال عمن يحمي جماعته من الجماعات الأخرى، فتُستحضر العصبيات كلما اهتزت مواقع السلطة أو تعرضت المصالح للخطر.

وتتسع الشبكة أكثر، من المختارية إلى البلدية، ومن الجمعيات والروابط والنوادي والاتحادات العائلية والاجتماعية والرياضية إلى الأحزاب والانتخابات النيابية، وصولًا إلى أعلى هرم السلطة. ولا يعني ذلك أن كل جمعية أو حزب أو اتحاد جزء من منظومة فساد، وإنما الخطر أن تتحول هذه المساحات، التي يفترض أن تكون ميادين للمشاركة المجتمعية الحرة، إلى أدوات لبناء الولاءات وتوزيع الخدمات واستقطاب الناس وإعادة إنتاج النفوذ السياسي.

ثم نصل إلى الوجه الآخر للحرية: حرية أن تقول «لا».

فليس الإنسان حرًا لمجرد أن القانون أعطاه حق التصويت. الحرية أن يستطيع أن يقول نعم أو لا دون أن يخشى على لقمة عيشه أو وظيفته أو أمنه أو حريته. وما قيمة صوت يملكه الإنسان يوم الانتخابات إذا كانت كلمة اعتراض في بقية الأيام قد تكلفه التضييق والملاحقة والتهديد، وقد تكون، حين تغيب دولة القانون وضماناته، مدخلًا إلى الغياب خلف القضبان وفي غياهب السجون، بعيدًا عن قرص الشمس؟

فالديمقراطية ليست حرية من يوافق فقط، وإنما حماية من يعترض أيضًا. وليست حق الأكثرية في الحكم فحسب، بل حق الأقلية والفرد والمختلف في أن يقول رأيه دون خوف. وحين يصبح ثمن الرأي وظيفة أو رزقًا أو أمنًا أو حرية، فإننا نستطيع الاحتفاظ بصناديق الاقتراع وبكل المظاهر الديمقراطية، لكننا نكون قد أفرغنا الديمقراطية من أحد أهم شروطها: الإنسان الحر.

وهنا تكتمل الدائرة. فالمال الأسود والنفوذ يساعدان في صناعة السلطة، والسلطة قد تنتج قوانين وسياسات ومؤسسات تحمي شبكات المصالح التي ساهمت في إنتاجها، ثم تستخدم هذه الشبكات ما راكمته من مال ونفوذ لإعادة إنتاج السلطة مرة أخرى. وبين الدورة والأخرى يبقى الفقر والحرمان والبطالة وضعف الخدمات أرضًا خصبة يعاد الاستثمار فيها سياسيًا.

أما الكارتيلات والاحتكارات، فخطرها لا يقف عند ارتفاع الأسعار أو التحكم بالسوق عندما تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة. فحين تستطيع القوة الاقتصادية أن تؤثر في التشريع والإدارة والقرار، ثم تستطيع القوة السياسية أن تحمي الامتيازات الاقتصادية، يصبح من الصعب معرفة أين تنتهي المصلحة الخاصة وأين تبدأ المصلحة العامة. وعندها لا يعود المال تابعًا للسياسة الاقتصادية للدولة، بل تصبح السياسة نفسها خادمة لمن يمتلك القدرة على التأثير فيها.

وكذلك التمويل الخارجي. فليست كل مساعدة خارجية تدخلاً، ولا كل علاقة مع الخارج ارتهانًا. الدول تتعاون وتتبادل المصالح والمساعدات، وهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية. لكن الأمر يختلف عندما يصبح المال الخارجي وسيلة لبناء نفوذ داخلي، أو صناعة قرار تابع، أو تمويل قوى تعمل وفق أولويات الممول بدل المصلحة الوطنية. عندها لا تعود المشكلة في مصدر المال فقط، بل في القرار الذي أصبح لهذا المال ثمن فيه.

فأي تغيير ديمقراطي يمكن أن ننتظره إذا بقيت الآليات التي يفترض أن تنتجه خاضعة لهذه المؤثرات؟ وأي دولة سنبني إذا كان المال غير المشروع والنفوذ والاحتكار والتبعية قادرين على المشاركة في صناعة من يدير مؤسساتها ويشرّع قوانينها ويقرر سياساتها؟ وكيف لهذه الدولة أن تستعيد قرارها الوطني، وتحمي سيادتها، وتتحرر من الاحتلال والتدخلات والهيمنة، وتعيد بناء اقتصادها ومؤسساتها وثقة مواطنيها، إذا كانت القوى التي يفترض أن تقود عملية البناء نفسها أسيرة شبكات المصالح والتبعية؟

لا يكون الجواب برفض الديمقراطية، وإنما بتحريرها ممن اختزلوها في صندوق اقتراع بينما أحكموا السيطرة على الطريق المؤدي إليه.

والتغيير الحقيقي لا يبدأ يوم الانتخابات وحده. يبدأ بالوعي، وبالتحرر من أشكال التبعية، وباستعادة معنى الانتماء الوطني، وبقضاء مستقل، وإعلام حر ومسؤول، وشفافية في تمويل الأحزاب والحملات الانتخابية، ومحاسبة المال غير المشروع وشراء الأصوات، ومنع الاحتكار وتضارب المصالح، وبناء دولة تؤمن للمواطن حقوقه الأساسية فلا يضطر إلى استجدائها من أحد.

ويبدأ كذلك بحوار حر بين مكونات المجتمع، لا تحدد نتائجه مصالح الخارج، ولا مصالح القوى المرتهنة له، ولا حسابات الطوائف وتقاسم الحصص، وإنما المصلحة الوطنية وبناء الدولة والمستقبل المشترك.

فالديمقراطية السليمة لا يمكن أن تكون ديمقراطية تحاصصية، ولا ديمقراطية المال والنفوذ، ولا ديمقراطية الخوف والحاجة. وهي لن تُرسَّخ طوعًا على أيدي من يستفيدون من اختلالها، بل تصبح ممكنة عندما تتحول حقوق الناس وإرادتهم ووعيهم إلى قوة مجتمعية سلمية ومنظمة تفرض احترام القانون والمؤسسات وتكافؤ الفرص والمحاسبة.

ليس المطلوب من الإنسان أن يكون بطلًا كل يوم لكي يمارس حقًا يفترض أن تكفله له دولته. المطلوب بناء دولة تجعل حريته أمرًا طبيعيًا، وكرامته مصونة، ولقمة عيشه حقًا لا وسيلة ابتزاز، ورأيه حقًا لا تهمة، وصوته تعبيرًا عن إرادته لا عن خوفه أو حاجته.

عندها فقط يصبح لصندوق الاقتراع معناه. وعندها فقط لا تكون الديمقراطية ديمقراطية عند الطلب، بل حقًا أصيلًا لشعب يريد أن يبني حياة حرة كريمة، ودولة تستحق ثقته، ووطنًا يليق به وبمستقبل أجياله.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment