بركات شاهين
ما يحدث في أوروبا اليوم ليس مجرد تشدد في سياسات الهجرة واللجوء. نحن أمام صعود خطاب سياسي أكثر حدة، خصوصاً تجاه المهاجرين واللاجئين، وتحوّل قضية الهجرة إلى واحدة من أهم أدوات المنافسة الانتخابية. وفي ألمانيا، تبدو الصورة أكثر وضوحاً.
فصعود اليمين المتطرف، وعلى رأسه حزب AfD، جعل الهجرة واللجوء والعودة إلى سوريا في قلب النقاش السياسي. ومع اقتراب الحزب من تحقيق اختراق تاريخي في إحدى الولايات الألمانية، تزداد مخاوف كثير من المهاجرين والأقليات من أن تتحول هذه الخطابات إلى سياسات أكثر تشدداً.
لكن أين يقف اللاجئ السوري وسط كل ذلك؟
السوري الذي وصل إلى ألمانيا قبل سنوات لم يصل باحثاً عن امتياز، بل هارباً من حرب ودمار وخوف، ثم بدأ من الصفر: لغة جديدة، عمل، مدرسة للأطفال، ضرائب، علاقات اجتماعية، وحياة حاول بناءها من جديد.
واليوم يجد نفسه أمام سؤال لم يكن يتوقعه: هل أصبحت حياتي هنا مرتبطة بنتيجة الانتخابات؟
هذا الشعور ليس وهماً.
فالحكومة الألمانية نفسها جعلت عودة السوريين جزءاً مهماً من سياستها تجاه سوريا، بينما أعلن المستشار فريدريش ميرتس في مارس 2026 ألمانيا تتوقع عودة نسبة كبيرة من السوريين خلال السنوات المقبلة، مع إعطاء الأولوية لمن لا يملكون حق إقامة ساري المفعول وللمجرمين.
وفي الوقت نفسه، لا تزال مسألة العودة معقدة. فعودة أكثر من مليون سوري إلى البلاد بعد سقوط نظام الأسد لا تعني تلقائياً أن سوريا أصبحت مكاناً آمناً ومستقراً للجميع، كما أن ظروف العودة وإمكانية بناء حياة مستدامة تختلف من شخص إلى آخر.
وهنا يجب أن نقول شيئاً بوضوح: من حق أوروبا أن تنظم الهجرة. ومن حقها أن تطبق القانون. ومن حق مواطنيها أن يناقشوا مستقبل بلادهم.
لكن ليس من حق أي خطاب سياسي أن يحوّل ملايين البشر إلى كتلة واحدة، أو أن يجعل السوري مسؤولاً عن جريمة ارتكبها شخص آخر، أو أن يساوي بين اللجوء والتطرف. وفي المقابل، على السوريين في أوروبا مسؤولية أيضاً.
الاندماج ليس تخلياً عن الهوية، واحترام القانون ليس تنازلاً، والعمل والمشاركة في المجتمع ليستا واجباً تجاه الدولة فقط، بل هما أيضاً أفضل رد على خطاب يريد تصوير اللاجئ باعتباره عبئاً دائماً.
المعركة الحقيقية ليست بين “الأوروبي” و”السوري”.
المعركة الحقيقية هي بين مجتمع يستطيع أن يدير الاختلاف والخوف والهجرة بالقانون والعقل، ومجتمع يسمح للخوف بأن يتحول إلى كراهية.








09/05/2026 - 21:46 PM





Comments