دمج المدارس الرسمية… إصلاحٌ على الورق ونزوحٌ على الأرض؟

09/09/2026 - 14:17 PM

Arab American Target

 

 بقلم فرنسوا الجردي

المدرسة ليست رقماً

ليس كل ما يُسمّى ترشيداً توفيراً، وليس كل دمج إصلاحاً. فالمدرسة الرسمية في القرية اللبنانية ليست مجرد مبنى وصفوف، بل جزء من بقاء المجتمع المحلي، ولا سيما في المناطق الجبلية حيث تتباعد القرى وترتفع كلفة التنقل، وحيث تشكل المدرسة أحياناً واحدة من آخر المؤسسات العامة التي تربط المواطن بقريته.

من هنا، فإن قرار دمج أو إقفال مدرسة لا يجوز أن يُقاس بعدد التلامذة وحده. فالرقم الإداري لا يختصر المسافة، ولا كلفة النقل، ولا قدرة الأهالي على تحمّل أعباء إضافية، ولا أثر غياب المدرسة على مستقبل القرية.

تحذير التفتيش المركزي

المسألة ليست سياسية فقط، بل لها بُعد تربوي واضح. ففي القرار رقم 14/2025، أوصى التفتيش المركزي بعدم اللجوء إلى دمج الصفوف في المدارس الرسمية، محذراً من انعكاس ذلك على المستوى التربوي والتعليمي، واقترح في الحالات التي تستدعي المعالجة خيارات أخرى، بينها إقفال المدرسة المتعثرة ونقل تلامذتها إلى مدرسة مجاورة عند توافر الشروط المناسبة.

وهذا يفرض سؤالاً مشروعاً: ما الذي تغيّر حتى يعود الدمج اليوم بهذه القوة، وهل جرى تقييم نتائجه التربوية والاجتماعية قبل اتخاذ القرارات؟ الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من جدول أرقام، بل من دراسة كاملة للواقع.

الجبل يدفع الثمن

في المناطق الجبلية تحديداً، لا يشبه الدمج ما يحصل في المدن المكتظة. إقفال مدرسة قريبة قد يعني رحلة يومية أطول للطفل، ونفقات نقل إضافية على الأسرة، ومشقة أكبر في الشتاء والطقس الصعب، فضلاً عن تحديات الطرق والسلامة.

وهنا تظهر نتيجة أخطر: العائلة التي لا تستطيع تحمّل النقل قد تضطر إلى البحث عن مدرسة خاصة، ولو فوق قدرتها المالية، فيما قد تختار عائلات أخرى الانتقال إلى مناطق ساحلية أكثر كثافة بالخدمات والمدارس. وهكذا يمكن لقرار يبدو إدارياً ومالياً أن يتحول، من دون قصد، إلى عامل إضافي في نزوح سكاني صامت من الجبل.

فالمدرسة في القرية ليست فقط مكاناً للتعليم؛ إنها عنصر من عناصر الاستقرار الاجتماعي والديموغرافي. وحين تُسحب مؤسسة أساسية من قرية، يصبح السؤال أكبر من عدد التلامذة: ماذا يبقى من مقومات الحياة فيها؟

هل هو توفير فعلاً؟

إذا كان الهدف هو ترشيد الإنفاق العام، فلا أحد يعترض على مكافحة الهدر. لكن الترشيد يحتاج إلى أرقام كاملة لا إلى رقم واحد. المطلوب أن تُعرض أمام الرأي العام كلفة المدرسة، وعدد التلامذة والمعلمين، وملكية المبنى أو بدل إيجاره، وكلفة تشغيله، وكلفة نقل التلامذة بعد الدمج، وقدرة المدرسة المستقبِلة على الاستيعاب، والمسافة الفعلية التي سيقطعها الأطفال.

فإغلاق مدرسة قد يخفض كلفة تشغيلية على الدولة، لكنه قد ينقل الكلفة إلى المواطن عبر النقل والأقساط والمدارس الخاصة. لذلك لا يكفي القول إن الدمج يوفر المال؛ المطلوب إثبات الوفر الاقتصادي الصافي بعد احتساب كل النتائج المباشرة وغير المباشرة.

والسؤال الأهم: هل نوفر من الموازنة العامة فعلاً، أم ننقل جزءاً من كلفة التعليم من الدولة إلى الأهالي؟

عدالة لا تُقاس بالعدد وحده

لا يمكن تطبيق معيار عددي واحد على الساحل والجبل بالطريقة نفسها. في منطقة مكتظة، قد يكون دمج مدرستين متقاربتين منطقياً إذا كانت المدرسة البديلة قادرة على الاستيعاب وكان الوصول إليها سهلاً. أما في قرية جبلية نائية، فقد يكون العدد القليل للتلامذة نتيجة طبيعية للكثافة السكانية المحدودة، وليس دليلاً كافياً على عدم جدوى المدرسة.

لذلك يجب أن تدخل الجغرافيا والمسافة، والنقل، والقدرة الاقتصادية للأهالي، وطبيعة الطرق، ودور المدرسة في تثبيت السكان، إلى جانب عدد التلامذة، في أي قرار نهائي.

ومن هنا، فإن التعامل مع جميع المناطق بالمنطق نفسه قد ينتج مساواة شكلية، لكنه لا ينتج عدالة تربوية حقيقية.

الإصلاح الذي يحمي القرية

لا أحد يطالب بإبقاء مدرسة فارغة إلى الأبد، ولا بالدفاع عن الهدر. المطلوب هو إصلاح التعليم الرسمي بطريقة تحافظ على المال العام من دون أن يدفع الطفل والعائلة الثمن.

يمكن البدء بدمج إداري عند الحاجة، واستخدام أفضل للمباني، وتنظيم المراحل التعليمية، والاستفادة من المدارس القريبة من بعضها في المناطق المكتظة، مقابل حماية المدارس الصغيرة في المناطق النائية عندما تكون بديلاً وحيداً فعلياً للأهالي.

وعندما يصبح الدمج حتمياً، يجب أن يسبقه حل واضح للنقل، وأن تتحمل الدولة جزءاً أساسياً من هذه الكلفة، لأن نقل التلميذ إلى مدرسة أخرى ليس تفصيلاً ثانوياً بل جزء من القرار نفسه.

وفي جبل لبنان، حيث برزت اعتراضات على دمج أو إقفال عدد من المدارس، بينها ثانوية حصارات الرسمية ومدرسة مشمش الرسمية ومدرسة دون بوسكو الرسمية في الحصون، يصبح من الضروري دراسة كل حالة منفردة، لا وضع الجميع في سلة واحدة. فالمعالجة العلمية قد تنقذ مدرسة قابلة للاستمرار، وقد تبرر دمج مدرسة أخرى فعلاً، لكن القرار يجب أن يقوم على الوقائع لا على قاعدة جامدة.

الخلاصة

أخطر ما في دمج المدارس ليس إقفال مدرسة واحدة، بل احتمال إطلاق حلقة مفرغة: مدرسة تُدمج، كلفة التعليم ترتفع على الأهالي، عائلات ترحل، عدد التلامذة ينخفض، ثم تصبح مدارس أخرى مهددة بالدمج أو الإقفال.

لهذا فإن السؤال الحقيقي أمام وزارة التربية ليس: كم مدرسة يمكن دمجها؟ بل: هل حققنا وفراً حقيقياً من دون أن ننقل الكلفة إلى المواطن؟ وهل حافظنا في الوقت نفسه على جودة التعليم وحق الطفل في الوصول إلى مدرسة قريبة وآمنة؟

فالمدرسة الرسمية في الجبل ليست عبئاً مالياً فقط؛ إنها عنوان بقاء. والإصلاح الحقيقي هو الذي يرشد الإنفاق، ويرفع مستوى التعليم، ويحمي حق الطفل، ويحافظ على حياة القرية.

أما إذا أصبح التوفير المالي معياراً وحيداً، فقد نكتشف بعد سنوات أننا وفرنا في دفاتر الدولة، لكننا دفعنا ثمناً أكبر في المجتمع.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment