روجيه ابو فاضل
حين نتحدث عن استعادة هيبة الدولة، لا تكفي العبارات الكبيرة ولا المواقف المعلنة، بل يصبح المعيار ما تستطيع الدولة أن تسترده فعليا لمواطنيها من حقوق، وما تستطيع أن تنتزعه من قبضة النفوذ حين يتقدم الخاص على العام. ومن هنا يمكن قراءة تجربة النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي سامي صادر، ليس من باب المديح الشخصي، بل من خلال ملفات وقرارات يمكن قياس نتائجها على الأرض، بعضها مس حياة المواطنين اليومية وبعضها أعاد إلى الدولة أملاكا وحقوقا كان النفوذ السياسي والحزبي قد جعل الاقتراب منها أمرا بالغ الصعوبة.
ولعل ملف مياه الشفة في عدد من بلدات جبل لبنان يقدم واحدا من أكثر الأمثلة وضوحا. فالمسألة لم تكن مجرد خلاف إداري أو تقني على توزيع المياه، بل قضية مواطنين حرموا من حق أساسي فيما كانت المياه تخضع، بحسب المعطيات والشكاوى، لواقع فرضته مراكز نفوذ وتسلط وتحكم بالتوزيع. ومع انتقال الملف إلى النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان في عهد القاضي سامي صادر، اتخذت قرارات وإجراءات حازمة لمعالجة المخالفات وإعادة الأمور إلى مسارها القانوني، وكانت النتيجة الأهم بالنسبة إلى الناس أن المياه عادت لتصل إلى مواطنين كانوا محرومين منها.
وتكتسب هذه القضية دلالة إضافية إذا ما وضعت في سياقها، إذ إن شكاوى كانت قد قدمت سابقا أمام النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان خلال تولي القاضية غادة عون مهامها، من دون أن تؤدي، وفق المعطيات المتوافرة، إلى معالجة تضع حدا نهائيا للمشكلة على النحو الذي حصل لاحقا. والمقصود هنا ليس عقد مقارنة شخصية بين قاض وآخر، بقدر ما هو إبراز الفارق الذي يمكن أن يحدثه تحريك الملف واتخاذ القرار القضائي ومتابعة تنفيذه حتى ظهور النتيجة على الأرض.
والأمر نفسه ينسحب على ملف آخر لا يقل حساسية، هو الاعتداء على الأملاك العامة. فالدولة التي تعجز عن حماية ملكها العام تفقد جزءا من هيبتها وسيادتها، ولا سيما عندما تتحول مساحات يفترض أنها ملك لجميع اللبنانيين إلى مناطق نفوذ تستثمرها جهات حزبية أو خاصة وكأنها أملاك مكتسبة. وفي جبل لبنان، طاولت المعالجة تعديات على مجاري الأنهر وعلى أملاك مرتبطة بخطوط السكك الحديدية، حيث أقيمت مطاعم ومقاه ومنشآت واستثمارات مستفيدة من واقع سياسي وحزبي سمح باستمرارها.
هنا أيضا لم يكن المطلوب خطابا عن حماية الملك العام، بل قرارا وتنفيذا. وبموجب القرارات والإشارات القضائية الصادرة عن النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي سامي صادر، جرت ملاحقة تعديات وإزالة مخالفات واستعادة مساحات إلى الدولة اللبنانية، في رسالة تتجاوز قيمة العقار أو المنشأة المعتدى عليها: الملك العام ليس ملك حزب أو صاحب نفوذ أو مستثمر، وما يعود للدولة يجب أن يبقى للدولة ولجميع اللبنانيين.
هذه الوقائع هي التي تعطي الحديث عن استنهاض دولة المواطنة معناه الحقيقي. فالمواطن لا يقيس قوة الدولة بعدد خطابات مسؤوليها، بل بقدرته على الحصول على مياه الشفة من دون خضوع لنفوذ أحد، وبقدرته على رؤية نهره وسكته الحديدية وأملاك دولته خارج قبضة المستفيدين، وبشعوره بأن القضاء قادر على الاقتراب من ملف حتى عندما تقف خلفه مظلة سياسية أو حزبية.
من هنا يمكن النظر إلى أداء القاضي سامي صادر باعتباره نموذجا لما يستطيع القضاء أن يفعله عندما يستعمل الصلاحيات التي منحه إياها القانون ويلاحق تنفيذ قراراته. وليس المطلوب صناعة صورة مثالية عن شخص، فدولة المؤسسات لا تبنى على الأشخاص، وإنما السؤال الحقيقي هو ما إذا كان هذا النهج قادرا على أن يصبح قاعدة عامة: قانون واحد، وملك عام مصان، وحق للمواطن لا تسقطه واسطة، ونفوذ سياسي أو حزبي يقف عند أبواب القضاء.
عندها فقط لا يعود الحديث عن استعادة الدولة أمنية. يصبح مسارا يبدأ من ملف مياه أعاد الحق إلى مواطن، ومن متر من الملك العام أعيد إلى الدولة، ومن قرار قضائي أثبت أن ما أخذ بالنفوذ يمكن أن يسترد بالقانون.
القاضي سامي صادر ، ومؤشرات إستنهاض دولة المواطنة:
كثيرة هي علامات إنهيار هيبة الدولة في لبنان منذ ردح طويل من أزمنة الإحتلال والوصاية ومترتبات وتشعبات الدولة العميقة ، ما أدى إلى قضمها وتآكلها من الخارج والداخل ، حتى أمسى المواطن فاقدٱ لكل أمل ورجاء في إعادة نهوضها ، إن لم يلامس حد الكفر بها لا بل تكفير أولاده وحثهم على الهجرة إلى بقاع الأرض التي يحميهم فيها قانون ما ولو لم يكن صناعة لبنانية ، في علامة من علامات تحلل الدولة-الوطن والموئل الحاضن لأبنائه .
ولكن المراقب اليوم ، وعلى الرغم من كل هذا التصدع ، يلحظ بسهولة بصيص النور القادم من باب العدالة بشخص وأداء وإدارة وتوازن وحياد وجرأة وعزم وحزم النائب العام الإستئنافي في جبل لبنان القاضي سامي صادر ، الذي أرسى نهجٱ براقٱ متجددٱ لم يكن متوقعٱ في حمأة هذا الظلام الدامس ، فأشعر المواطن بأن الأمل بإعادة إستنهاض علائم الدولة موجود وحقيقي وقائم بالفعل لا بالقول ، وينقصه من يبادر في كادرات القضاء والدولة عمومٱ إلى العمل الدؤوب ، بما تيسر له من إمكانيات وبما توفر فيه من صفات وبما يختزنه من تاريخ ناصع ومشرف ملؤه الروح اللبنانية الحقة ....
ورب سائل يسأل ما هي أركان هذا النهج ؟ والجواب يختصر في بعض العناوين الٱتية :
شفافية مطلقة .
علم وإجتهاد وتضحيات متواصلة.
مثابرة ومتابعة حثيثة للتفاصيل .
إبتعاد عن الموبقات والبهرجات .
الحفاظ على مناقبية القاضي .
قطع طرق الوساطات .
تطبيق القانون فقط .
عدم الإنحياز لأي جهة كانت .
قمع الطائفيات والمذهبيات .
فصل السياسة عن القضاء .
عدم تقبل الدعوات والهدايا والعطاءات والمغريات .
فريق عمل قانوني متماسك .
جهاز قلمي مساعد منضبط .
لا أفضليات إلا بالقانون .
إبعاد شتى أنواع التدخلات .
جرأة وشجاعة فريدة .
حس إنساني مرتفع .
إحتضان وتقدير ودعم أعمال الضابطة العدلية وتفانيها .
حماية الملك العام والخاص .
تفعيل حماية القيم المجتمعية .
السعي الدؤوب إلى تعزيز الثقة بصورة القضاء وتاليٱ صورة الدولة داخليٱ وخارجيٱ .
تقديس محراب العدل .
خلية عمل بدون مضافات وعلاقات عامة وسياسة وأحزاب .
إلغاء مراكز الثقل والتفلت والحمايات وإستعادة التوازن .
حياد مطلق إلا عن الحق والقانون.
صلابة وحزم وعدم تردد .
حفظ الدور وصون الموقع .
ترفع عن الصغائر .
هذا غيض من فيض يبشر بنهضة عظيمة تقوم الدولة على هديها ، ولعل ما يتطلع إليه المواطن راهنٱ ان يؤدي إستمرار وتعاظم هذه الإندفاعة إلى إنتقال عدواها إلى مواقع وقطاعات أخرى يمكن لتناغمها في الجرأة والشفافية أن يسترد للدولة هيبتها وسطوتها الرعائية ويعيد للمواطن إيمانه بوطنه وتشبثه فيه والدفاع عنه وصونه مرددٱ مع الشاعر :
إن لبنان لنا ولبنينا من بعدنا








09/09/2026 - 15:01 PM





Comments