ما بعد علي الطاهر: من يرسم خريطة جنوب لبنان؟

09/09/2026 - 15:30 PM

Arab American Target

 

 

بين أمن إسرائيل ونفوذ إيران وسلاح حزب الله، الدولة أمام الاختبار الأصعب

 

إيلي إ. حرب

لم يعد سقوط مرتفع علي الطاهر مجرد خسارة ميدانية لحزب الله. وما يجري بعده يكشف أن إسرائيل تسعى لتحويل تفوقها العسكري إلى معادلة أمنية وسياسية جديدة في الجنوب، فيما يجد لبنان نفسه أمام سؤال يتجاوز الحرب والحدود: هل تبقى الدولة صاحبة القرار في أرضها، أم تتحول الوقائع العسكرية إلى قواعد اشتباك جديدة تفرضها إسرائيل وحزب الله.

التطور الأخطر في هذا السياق هو ما يتردد عن خطة إسرائيلية لتقليص انتشار جيشها وإعادة تموضعه على ما يسمى "الخط الرمادي"، بعمق يتراوح بين كيلومترين وأربعة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، لكن هذه الخطة لا تزال قيد البحث ولم تحصل على موافقة سياسية إسرائيلية نهائية. أهمية هذه الخطة أنها تسمح لإسرائيل بخفض كلفة وجودها العسكري من دون التخلي عن مكاسبها الأمنية.

حتى الساعة، لم تتعامل اسرائيل مع علي الطاهر كنهاية عملية عسكرية. فوزير دفاعها يسرائيل كاتس ربط الانسحاب من "المنطقة الأمنية" بنزع سلاح حزب الله في لبنان وإزالة التهديد عن شمال إسرائيل. وبتعبير اوضح تربط وجودها العسكري داخل لبنان بشرط سياسي يتصل بمستقبل سلاح حزب الله على مستوى لبنان كله، ما يعني ان بقاءها غير محدد زمنياً إذا لم يتحقق هذا الشرط.

إسرائيل: تقليص الانتشار لا يعني التخلي عن النفوذ

إذا تحول طرح "الخط الرمادي" إلى قرار، فإن إسرائيل قد لا تحتاج إلى الانتشار الواسع الذي تعتمد عليه حالياً. يمكنها الاكتفاء بمواقع أكثر قرباً من الحدود، مدعومة بقدرات استخبارية وجوية ونارية، مع الاحتفاظ بإمكانية التدخل عندما ترى أن هناك تهديداً. فالمعيار الحقيقي ليس عدد الجنود الإسرائيليين، بل من يملك القدرة على فرض قواعد الحركة والأمن على الأرض. وإذا بقيت لإسرائيل حرية واسعة في المراقبة والاستهداف والتدخل، فإن الانسحاب الجزئي قد يكون إعادة تموضع أكثر منه نهاية للوجود العسكري ويمنحها مكاسب امنية مع احتمال أن يخلق واقعا ميدانيا جديدا يصعب إنهاؤه.  فالبقاء الطويل بالحسابات الإسرائيلية يعني مقاومة واستنزافاً وضغوطاً دولية، أما الانسحاب الكامل فيطرح سؤالاً عن قدرة لبنان على منع إعادة بناء البنية العسكرية لحزب الله.

 

حزب الله: خسارة الموقع واحتواء الوضع

التطورات العسكرية التي أعقبت سقوط علي الطاهر لا تؤشر إلى رد واسع من حزب الله. فبين 4 و7 أيلول، سُجلت خمس هجمات بمسيّرات ضد القوات الإسرائيلية، من دون إعلان الحزب مسؤوليته عنها، كما أصيب جنديان إسرائيليان بنيران أسلحة خفيفة قرب قلعة الشقيف، فيما ردت إسرائيل بعشرات الغارات على مقاتلي حزب الله وبنيته التحتية أوقعت ضحايا وجرحى بالعشرات. ويأتي رد حزب الله محدودا مقارنة بأهمية موقع علي الطاهر. فالحزب يدرك أن الرد الكبير يمكن أن يمنح إسرائيل مبرراً لتوسيع عملياتها واحتفاظها بمساحة أكبر داخل لبنان. والمعادلة باتت كالتالي: تقدم إسرائيلي يقابله تراجع واحتواء من حزب الله، خصوصا أن إيران لم ترد ولم تنفذ تهديداتها باعتبار أنها لا تريد أوغير قادرة على خوض حرب يحدد توقيتها ودرجة تصعيدها الطرف الآخر.

الدولة اللبنانية: المسؤولية التي لا يمكن تأجيلها

 

الدولة اللبنانية مطالبة من جهتها بأن تقدم جوابًاً. فالسؤال عما سيفعله حزب الله وإسرائيل لم يعد كافياُ، وهي باتت تحت مجهر المجتمع الدولي والعربي الذي يطالبها بتقديم بديل أمني وسياسي قابل للتنفيذ وبفرض سلطة الدولة ومنع استخدام الجنوب منصة لتهديد إسرائيل، وأيضاً اثبات قدرتها على الانتشار في حال أرادت تطبيق القرار 1701 . وإذا كانت بيروت تطالب تل أبيب بالانسحاب، فعليها في المقابل أن تكون قادرة على ضمان أن الأراضي التي تستعيدها لن تتحول مجدداً إلى بنية عسكرية خارج سلطة الدولة، وكي لا تتحول وسيطاً بين إسرائيل التي تفرض معادلتها بالقوة وحزب الله الذي يتمسك بمعادلته المسلحة.

وتالياً إذا قررت إسرائيل تقليص وجودها، فإن على الدولة اللبنانية أن تكون جاهزة للانتشار فوراً في المناطق التي تنسحب منها، لا أن تنتظر ترتيبات جديدة تسمح بملء الفراغ. وكلما أثبت الجيش قدرته على فرض الأمن، تقلصت حجة إسرائيل في الاحتفاظ بمواقع داخل لبنان. أما إذا بقي الفراغ قائماً، فتملؤه القوة الأقوى على الأرض.

الأشهر الحاسمة

ترتسم في المرحلة المقبلة أربع مسارات ممكنة.

أولاً، أن تعتمد إسرائيل إعادة الانتشار وتحوّل المواقع التي تحتفظ بها إلى واقع طويل الأمد.

ثانياً، أن يصبح هذا الانتشار بنداً في المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية برعاية اميركية ضمن اتفاق أوسع يربط الانسحاب بانتشار الجيش اللبناني وترتيبات واضحة بشأن سلاح حزب الله.

ثالثاً، أن يقرر حزب الله رفع مستوى الرد، فترد إسرائيل بتوسيع عملياتها.

ورابعاً، وهو ربما الأكثر خطورة على لبنان، أن يبقى الجنوب، كما حاله الآن، في حرب استنزاف بلا إعلان حرب: غارات إسرائيلية، عمليات محدودة، مواقع عسكرية، ضغط أميركي، ومفاوضات مفتوحة.

في الخلاصة

بعد علي الطاهر يطرح السؤال الأهم: هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تمنع تحويل الخسارة العسكرية إلى تغيير دائم في قواعد الجنوب؟ ...

إسرائيل تحاول تثبيت أمنها، وإيران تريد الحفاظ على نفوذها من دون حرب مباشرة وحزب الله يريد الحفاظ على سلاحه وموقعه.

وإذا أرادت الدولة منع "الخط الرمادي" من التحول إلى واقع دائم، فعليها أن تملأ المساحة التي يتركها أي انسحاب إسرائيلي بسلطة الدولة، وأن تجعل الجيش المرجعية الأمنية الوحيدة، وأن تدخل أي تفاوض من موقع الدولة لا من موقع رد الفعل.

وإذا فشلت الدولة في فرض هذه المعادلة، فلن يكون السؤال عندها أين ينتهي الخط الرمادي، بل أين تبدأ وتنتهي سيادة لبنان؟

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment