الباحثة سيلفانا سمعان
يوم ٩ أيلول ٢٠٢٦، بينما كانت الكاميرات تصوّر هاتفاً جديداً على مسرح في كوبرتينو، كان على بعد آلاف الكيلومترات مستند آخر، أقل بريقاً بكثير، ولا كاميرا واحدة التقطته، يُستكمل مساره الهادئ داخل أروقة حلف الناتو ووزارة الحرب الأمريكية. لا مؤتمر صحفي له، ولا تصفيق، ولا عناوين عريضة.
المستند لا يتحدث عن شرائح ولا كاميرات ولا شاشات قابلة للطي. يتحدث عن شيء واحد فقط: الدماغ البشري بوصفه أرضاً يجب احتلالها.
هذه ليست استعارة صحفية، بل تعبير حرفي منقول من عقيدة عسكرية رسمية. تقرير كبير علماء الناتو لعام ٢٠٢٦ حول "الحرب المعرفية" يصف الأمر بلا مواربة: العقل المدني أصبح يُصنَّف كـ"تضاريس أساسية" للاشتباك، بالمعنى العسكري الدقيق للكلمة، يُدار ويُخطَّط له كما تُدار الأرض والبحر والجو والفضاء الإلكتروني، لا أقل. وفيه جملة تستحق أن تُقرأ ببطء: الحرب المعرفية ليست وسيلة نخوض بها القتال، بل هي القتال نفسه. الدماغ هو الهدف والسلاح في آن واحد.
والكونغرس الأمريكي لم يتعامل مع هذا كنقاش أكاديمي: قانون تفويض الدفاع الوطني لعام ٢٠٢٦ (NDAA) كلّف وزارة الحرب رسمياً بتعريف "الحرب المعرفية" كمفهوم عملياتي مستقل، وربطه بالعقيدة القائمة، وتحديد الجهات المسؤولة عنه تنفيذياً بمهلة انتهت في آذار من العام نفسه. وقبل أيام فقط، في السابع من أيلول ٢٠٢٦، نشر الناتو تحليلاً استراتيجياً يدعو صراحة إلى تحويل "الدفاع المعرفي" من موقف تفاعلي إلى ما وصفه بـ"سيف الحلف" الموجّه للخارج، بجانب "درع سيادي" يحمي الداخل. بعبارة أخرى: الحلف العسكري الأكبر في العالم لم يعد يفكر بالعقل الجمعي للشعوب كأثر جانبي للحرب، بل كساحة معركة قائمة بذاتها، يجب أن يُخاض فيها اشتباك دائم لا عرضي.
حين تقرأ هذا كله إلى جانب بعضه، تاريخ الإصدار، لغة الوثائق، هوية الجهات الموقّعة، تدرك أن هذا لم يعد نقاشاً نظرياً في زوايا معاهد الأبحاث، بل تحوّل مؤسسي مكتمل، معلن، موثّق بأرقام قرارات وتواريخ تشريعية دقيقة. والآن، إذا كان العقل البشري قد أصبح رسمياً "ساحة معركة"، فما هي نقطة الدخول إليه؟ الجواب بسيط لدرجة أنه صار غير مرئي: نقطة الدخول هي الجهاز الذي بين يديك الآن، وأنت تقرأ هذا المقال عليه على الأرجح.
لا كاميرا مراقبة في شارع تعرف مزاجك وأنت تكتب رسالة نصية في الثالثة فجراً. لا محطة إذاعية تعرف بالضبط أي خبر يجعلك تتوقف عن التمرير لثلاث ثوانٍ إضافية. لا جهاز استخباراتي في القرن الماضي كان يملك قناة مباشرة لعقل كل مواطن، على مدار الساعة، بموافقته الطوعية، وبتكلفة تقارب الصفر. الهاتف الذكي، بكل مساعداته الذكية وتطبيقاته وخوارزميات توصياته، ليس مجرد أداة اقتصادية تجمع بياناتك لتبيعها لمعلن، لقد أصبح، بحكم موقعه الفريد، البنية التحتية الأمثل لأي طرف يريد الوصول إلى التضاريس التي يتحدث عنها الناتو.
هنا يجب أن نكون دقيقين تماماً، لأن الدقة هي ما يفرّق بين تحليل جاد ونظرية تآمر: لا أحد يزعم أن شركة تصنيع الهواتف أياً كانت، آبل أو غيرها، تصمّم أجهزتها بالتنسيق المباشر مع جهاز استخباراتي أو عقيدة عسكرية. ما يحدث أعمق وأخطر من ذلك بكثير، لأنه لا يحتاج إلى تنسيق أصلاً: الهاتف الذكي، بحكم تصميمه التجاري البحت، يجمع في جهاز واحد كل ما تحتاجه أي عملية "حرب معرفية" لتصنيع ميكروفون دائم الجهوزية، كاميرا، نظام تموضع جغرافي لحظي،
وأهم من هذا كله: مساعد ذكاء اصطناعي يتحكم فعلياً بما تراه أولاً، وما يُخفى عنك، وبأي ترتيب تصلك المعلومات. الشركة تبني هذا لتبيع إعلانات وتحسّن تجربة المستخدم. الدولة، أي دولة، لا تحتاج أن تطلب من الشركة شيئاً إضافياً، يكفيها أن تشتري البيانات من سماسرة البيانات، أو أن تستخدم أطراً قانونية متاحة أصلاً لنقل البيانات بالجملة، لتجد نفسها تملك، دون أن تصنع جهازاً واحداً، أكمل نظام رصد سلوكي وتأثير معرفي عرفه التاريخ البشري. البنية التحتية للحرب المعرفية لم تُبنَ من قبل جيوش. بناها قطاع خاص يبيع هواتف، وسلّمها للدول جاهزة، مجاناً تقريباً، تحت غطاء تجاري كامل الشرعية.
هذه هي الطبقة الأولى. أما الطبقة الثانية، فتفسّر لماذا لم يعد هذا مجرد نقاش أخلاقي، بل أصبح حرباً باردة فعلية على من يملك حق الوصول إلى هذه الأداة من الأساس، لماذا هذا الصراع لم يعد شأناً تقنياً، بل جوهر السياسة الدولية في ٢٠٢٦.
في كانون الأول ٢٠٢٥. وقّعت تسع دول الولايات المتحدة، بريطانيا، اليابان، كوريا الجنوبية، سنغافورة، هولندا، إسرائيل، الإمارات، وأستراليا، إطاراً غير معلن على نطاق واسع يحمل اسماً يستحضر عمداً صور الإمبراطوريات القديمة: "Pax Silica"، أي "السلام السيليكوني"، في محاكاة متعمدة لمفهوم "باكس رومانا" التاريخي. جوهر هذا الإطار بسيط وصادم في آن: الوصول إلى رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة، والحوسبة الفائقة، والنماذج الأكثر قدرة، لم يعد خاضعاً لقواعد السوق الحرة، بل بات مشروطاً بالانحياز السياسي لكل دولة. السويد انضمت في آذار ٢٠٢٦، والهند في شباط. الاتحاد الأوروبي، بكل ثقله الاقتصادي، غائب عن هذا الإطار، وهذا الغياب بحد ذاته مؤشر لا يمكن تجاهله على من هو "بالداخل" ومن تُرك خارج الدائرة.
بالتوازي، مرّرت لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأمريكي، بأغلبية ٤٢ مقابل ٢ في كانون الثاني ٢٠٢٦، قانون "AI OVERWATCH" الذي يمنح الكونغرس نفسه، لا وزارة التجارة وحدها، حق النقض على تراخيص تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي. وبعد أشهر قليلة، في نيسان ٢٠٢٦، دخل قانون "MATCH" الذي يستهدف حلقة أعمق: ليس الرقاقة نفسها، بل الآلات التي تُصنَّع بها الرقاقات. الصين، في المقابل، لم تنتظر: بنت مكدساً كاملاً بديلاً عبر معالجات هواوي "Ascend"، وفرضت على مشاريعها الحكومية الحساسة شراء هذا البديل المحلي حصرياً، حتى لو كانت الفجوة التقنية معه ما تزال قائمة، ليس لأنه الأفضل تقنياً بالضرورة، بل لأن السيادة على "المكدّس الكامل" (الرقاقة، والبيانات، والنموذج) أصبحت، بحسب وصف مراكز أبحاث استراتيجية، تعادل ما كان النفط عليه في القرن الماضي: مورداً تُخاض لأجله حروب باردة كاملة.
النتيجة؟ صنّاع القرار الاستراتيجي اليوم يستخدمون بصراحة مصطلحاً كان إلى وقت قريب حكراً على أدبيات الاستعمار الكلاسيكي: "المستعمرات الرقمية". الدول التي لا تملك المكدّس التقني الكامل لم تعد توصف بأنها "متأخرة تقنياً" فحسب، بل بأنها في طريقها لتصبح "مستأجرة" لذكائها من قوى أجنبية، فاقدة استقلاليتها الاستراتيجية في مجالات حساسة كالتنبؤ الاقتصادي والأمن السيبراني وصياغة السياسات العامة. هذا ليس تصريحاً من نشطاء أو صحفيين مثيري قلق، هذا هو التوصيف المستخدم في تحليلات استراتيجية جادة تصدر عن مراكز متخصصة في جيوسياسة التكنولوجيا خلال ٢٠٢٦ نفسها.
والآن تلتقي الخيوط الثلاثة في نقطة واحدة: من يملك المكدّس التقني الكامل، يملك أيضاً أداة الوصول المباشر إلى "التضاريس المعرفية" لمواطنيه، ولمواطني كل دولة تعتمد على هذا المكدّس. الهاتف الذكي، والمساعد الذكي بداخله، وخوارزمية التوصيات التي تقرر أي خبر تراه أولاً، ليست ثلاث تقنيات منفصلة، إنها القناة الوحيدة التي تربط طرفي المعادلة: من جهة، سباق التسلح الصامت على الرقائق ومراكز البيانات، ومن جهة أخرى، عقيدة عسكرية جديدة تعتبر إقناعك، لا احتلال أرضك، هو الهدف النهائي للاشتباك. الجهاز الذي بين يديك ليس ساحة معركة عرضية وقعت فيها بالصدفة. إنه، من الناحية البنيوية، نقطة الالتقاء المصمَّمة لهذه المعادلة، سواء قصد مهندسوه ذلك أو لم يقصدوه.
هذا ما يجعل السؤال المطروح على المستوى الشعبي، "هل يجمعون بياناتي؟" سؤالاً متخلّفاً عن الواقع بعشر سنوات على الأقل. السؤال الذي يطرحه صانعو القرار في الغرف المغلقة اليوم مختلف تماماً: من يملك القدرة على توجيه القرار الجمعي لشعب بأكمله، بهدوء، وباستمرار، ودون أن يشعر ذلك الشعب أنه في حالة حرب أصلاً؟ لأن الحرب المعرفية، بحسب تعريفها الرسمي الجديد، تحدث تحديداً في الفراغ الذي تحت عتبة الاشتباك المعلن، لا صواريخ، لا حدود مخترَقة، لا إعلان حرب يستدعي رد فعل. فقط تدفّق مستمر من المعلومات، مصمَّم بدقة عبر نماذج تعرف عنك أكثر مما تعرف عن نفسك، يعيد تشكيل ما تعتقد أنه "رأيك الخاص" دون أن يمسّ أحد جسدك أو أرضك.
المفارقة الأكثر إيلاماً في كل هذا أن العالم أعطى موافقته على هذا الواقع بيده. لم يُجبر أحد على شراء هاتف ذكي، ولم تُصادَر إرادته وهو يضغط "أوافق" على شروط الاستخدام. لكن الفارق بين موافقة واعية وموافقة مأخوذة تحت إكراه الحاجة اليومية، إكراه أن تعيش، تعمل، وتتواصل. هو نفسه الفارق الذي يجعل هذا الملف مقلقاً إلى هذه الدرجة. لا أحد وقّع على المشاركة في حرب. الجميع وقّع، دون أن يقرأ، على تذكرة دخول إليها.
قد يقول قائل إن هذا التوصيف مبالغ فيه، وإن استخدام الدول للتكنولوجيا في التأثير والدفاع ليس أمراً جديداً، وإن جزءاً كبيراً مما ورد هنا يخص عقائد دفاعية معلنة بهدف الحماية من تهديدات فعلية، لا بالضرورة أدوات هجومية موجَّهة ضد المواطن العادي. هذا التحفظ مشروع، ويستحق أن يُقال بصراحة: التوثيق هنا يخص وجود بنية وقدرة ونية استراتيجية معلنة رسمياً، لا يخص إثبات أن كل مستخدم هاتف هو هدف مباشر لعملية بعينها الآن. الفارق بين "القدرة موجودة وتتوسع بسرعة" و"أنت مستهدف شخصياً" فارق حقيقي، ويجب ألا يُطمَس لصالح خطاب أكثر إثارة.
هذا التحفظ نفسه لا يُبطل جوهر ما سبق: إن وجود القدرة، مقروناً بعقيدة رسمية تعتبر العقل الجمعي ساحة اشتباك دائمة، وبسباق جيوسياسي محموم على من يملك أدوات الوصول إلى هذا العقل، هو وحده كافٍ لتغيير طريقة تفكيرنا في كل عملية إطلاق هاتف، وكل تحديث برمجي، وكل ميزة "ذكاء اصطناعي" تُقدَّم لنا كتحسين في تجربة الاستخدام. وهذه، في نهاية المطاف، هي الحقيقة الأخطر التي يجب أن تُقال بصراحة: نحن لا نقف أمام مؤامرة يديرها طرف واحد خفي، بل أمام تقاطع غير مخطط له بالضرورة، لكنه شديد الخطورة بالضبط لأنه غير مخطط له، بين سباق تجاري على الهيمنة الاستهلاكية، وسباق عسكري على الهيمنة المعرفية، وسباق جيوسياسي على الهيمنة التقنية. الثلاثة تلتقي، اليوم، في جهاز واحد يشحنه معظم سكان الكوكب كل ليلة بجانب سريرهم.
ما نعيشه اليوم ليس سلماً بالمعنى الذي تعلّمناه من كتب التاريخ. السلم كان يُقاس بغياب الجيوش عن الحدود. أما اليوم، فالحدود نفسها تغيّرت: لم تعد خطاً على خريطة، بل أصبحت المسافة الفاصلة بين ما تعتقد أنه قرارك الحر، وما زرعته فيك خوارزمية لا تعرف اسمك لكنها تعرف كل شيء آخر عنك. لم يعد أحد بحاجة لعبور حدودك الجغرافية ليصل إليك، يكفيه أن يصل إلى الشاشة التي تنام بجانبها.
هذا لا يعني أن الحل هو الذعر أو رمي الهاتف من النافذة، فالانسحاب من هذه الساحة غير ممكن عملياً، ومن يحاوله يخسر الأداة نفسها التي قد يحتاجها ليفهم ما يجري ويقاوم به. الحل، إن وُجد بالمعنى الكلاسيكي، يبدأ من مكان أبسط وأصعب في آن: أن نعترف أولاً أننا لسنا في زمن "ما بعد الحرب"، بل في زمن حرب لم تُعلَن رسمياً لأنها لا تحتاج إعلاناً لتُخاض. ولأن حروباً من هذا النوع، بحكم تعريفها الجديد، لا تُصمَّم لتنتهي. إنها مصمَّمة لتستمر بهدوء، طالما بقي الطرف الآخر لا يشعر أنه في حرب أصلاً.
فهل ستكون من بين من يعرف أنه في الميدان، أم من يبقى مقتنعاً، حتى النهاية، أنه لا يزال يتصفح هاتفه فحسب؟








09/11/2026 - 14:03 PM





Comments